مخاطر هرمز تعيد تسعير سوق الناقلات.. وأسعار السفن القديمة تقفز 90%

السفن القديمة
السفن القديمة

تشهد سوق الأصول البحرية تحولًا لافتًا في هيكل تقييم السفن. إذ لم يعد ارتفاع أسعار السفن القديمة أو المستعملة مقتصرًا على الوحدات التي يبلغ عمرها نحو خمس سنوات. بل امتد إلى كامل منحنى الأعمار، مع زيادة حدة إعادة التسعير كلما تقدمت السفينة في العمر.

وتظهر هذه الظاهرة بوضوح في سوق ناقلات النفط العملاقة VLCC. التي ارتفعت قيمها على أساس سنوي بنحو 30 % للسفن البالغة 5 سنوات، و42 % للسفن ذات 10 سنوات، و61 % للسفن ذات 15 عامًا، و90 % للسفن التي يبلغ عمرها 20 عامًا.

وسجلت ناقلات Suezmax الاتجاه نفسه، مع ارتفاع قيم السفن بنحو 37 % و43 % و64 % و78 % على التوالي وفق شرائح الأعمار ذاتها. بحسب أحدث تقرير صادر عن Signal Group لتقييم السفن والناقلات.

وتصل قيمة ناقلة VLCC البالغة من العمر 20 عامًا حاليًا إلى نحو 71.1 مليون دولار. فيما تبلغ قيمة ناقلة Suezmax من العمر نفسه نحو 52.1 مليون دولار، رغم اقتراب كل منهما بصورة كبيرة من نهاية العمر التشغيلي التقليدي في السوق.

وتكشف هذه المستويات عن مفارقة مهمة في سوق الناقلات، إذ تجاوزت قيم ناقلات VLCC وSuezmax البالغة 5 سنوات أسعار السفن الجديدة. بينما جاءت أكبر الزيادات في القيمة عند الطرف الأقدم من منحنى الأعمار، لتصل إلى 90 % و78 % للسفن البالغة 20 عامًا.

السفن القديمة تتفوق اقتصاديًا على قيم إعادة التدوير

تتضح قوة إعادة تسعير السفن القديمة عند مقارنة قيمتها الحالية بقيمتها كخردة.

فعلى سبيل المثال، ناقلة VLCC البالغة 20 عامًا تقدر قيمتها بنحو 71.1 مليون دولار، مقابل 20.8 مليون دولار إذا تم بيعها لإعادة التدوير. أي بفارق يبلغ 50.3 مليون دولار، بما يعادل نحو 3.4 أضعاف قيمة إعادة التدوير.

وكان هذا الفارق قبل عام واحد لا يتجاوز ضمنيًا نحو 18 مليون دولار. ما يعكس اتساع القيمة الاقتصادية للسفينة القادرة على الاستمرار في العمل التجاري.

وينطبق الأمر نفسه على ناقلات Suezmax، التي تبلغ قيمة السفينة البالغة 20 عامًا نحو 52.1 مليون دولار. مقارنة بـ11.9 مليون دولار كقيمة للخردة، بفارق يصل إلى 40.2 مليون دولار، أو ما يعادل 4.4 أضعاف قيمة إعادة التدوير.

ويؤثر هذا الفارق بصورة مباشرة في قرارات المالكين بشأن إخراج السفن من الخدمة. فتكاليف الفحص الخاص (Special Survey)، ووضع السفينة من حيث العقوبات، وتكاليف التأمين، ومتطلبات الفحص والتقييم التي يفرضها المستأجرون، قد تجعل بعض السفن غير صالحة اقتصاديًا للاستمرار.

لكن عند النظر إلى القيمة الاقتصادية المجردة، تظل الناقلة القديمة القادرة على العمل التجاري أكثر قيمة بكثير عند تشغيلها مقارنة بإرسالها إلى ساحات إعادة التدوير.

مضيق هرمز يتحول إلى بؤرة صراع على حركة الناقلات

في الوقت نفسه، انتقلت المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز إلى مستوى جديد. في ظل غياب مؤشرات واضحة على عودة العلاقات بين إيران والولايات المتحدة إلى مسار يسمح بإعادة فتح الممر الملاحي بصورة منظمة.

وبدلًا من ذلك، تحول المضيق إلى ساحة صراع حول الجهة القادرة على تحديد شروط العبور وفرضها، وسط مزيج من الهجمات على السفن التجارية، والضربات العسكرية، وتضارب قواعد الملاحة، وإدراج السفن على القوائم السوداء، فضلًا عن مخاطر العقوبات.

وأدى التصعيد الأخير إلى تجاوز المخاطر نطاق اضطراب حركة الملاحة. بعدما أصبحت ناقلات النفط التجارية نفسها جزءًا مباشرًا من المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران.

31 أغسطس.. استهداف ناقلتين

في 31 أغسطس الماضي، أصابت مقذوفات بالقرب من خصب ناقلة النفط العملاقة Sidr التي ترفع العلم السعودي، وناقلة Senegal Prosperity التي ترفع علم ليبيريا.

وأكدت شركة البحري لاحقًا مقتل اثنين من البحارة الفلبينيين على متن ناقلة Sidr.

واتهمت السعودية إيران بالمسؤولية عن الهجوم على Sidr. بينما ظلت المعلومات العلنية المتعلقة بالجهة المسؤولة عن استهداف Senegal Prosperity أقل حسمًا.

2 سبتمبر.. توسيع قائمة السفن غير الممتثلة

وفي 2 سبتمبر، أضافت إيران 11 سفينة إلى قائمة عدم الامتثال، ليرتفع إجمالي عدد السفن المدرجة إلى 56 سفينة.

وحذرت طهران كذلك من أن السفن التي تتعامل مع السفن المدرجة من خلال عمليات النقل من سفينة إلى أخرى STS. أو عمليات إعادة الشحن قد تواجه بدورها قيودًا أو احتجازًا أو مصادرة.

5 و6 سبتمبر.. التصعيد ينتقل إلى الناقلات

وخلال يومي 5 و6 سبتمبر، تصاعدت المواجهة المتعلقة بناقلات النفط بصورة أكبر.

وقالت القيادة المركزية الأمريكية CENTCOM إن القوات الأمريكية استهدفت ثلاث ناقلات نفط إيرانية. بعد استهداف الحرس الثوري الإيراني سفينتين حربيتين أمريكيتين.

وفي المقابل، أعلنت إيران شن هجمات على ثلاث سفن مرتبطة بالولايات المتحدة، باستخدام ما وصفته بأنه مسار غير مصرح به عبر المضيق. مع عدم التحقق بصورة مستقلة من جميع الروايات الإيرانية.

كما أعلنت طهران خططًا لإنشاء منطقة جديدة مقيدة أو منطقة استبعاد خارج المضيق. بما يوسع نطاق الخلاف حول قواعد الملاحة إلى مناطق أعمق داخل الخليج.

UKMTO: مضيق هرمز لا يزال منطقة عالية الخطورة

وفق أحدث تقييم متاح من UKMTO، لا تزال ترتيبات فصل حركة المرور التابعة للمنظمة البحرية الدولية IMO معلقة. ولم تعد أنظمة المسارات المعترف بها إلى التشغيل الطبيعي.

ولا يزال مضيق هرمز مصنفًا باعتباره منطقة ذات مخاطر شديدة، مع وجود مخاطر كبيرة أيضًا في خليج عمان.

وبحلول 6 سبتمبر الجاري، سجلت UKMTO نحو 27 حادثة لهجمات بمقذوفات حول المضيق منذ 6 يوليو الماضي، تسببت في أضرار لسفن تجارية.

ورغم تأكيد القيادة المركزية الأمريكية أن الممرات المعترف بها جرى تطهيرها من الألغام الإيرانية. فإن عمليات إزالة الألغام لم تكن كافية لإعادة حركة التجارة البحرية إلى طبيعتها.

وأصبح خطر الألغام واحدًا فقط من مجموعة واسعة من المخاطر التي يتعين على السفن أخذها في الاعتبار. إلى جانب الهجمات بالمقذوفات، وقيود المسارات التي تفرضها إيران، والعمليات البحرية الأمريكية، والتعرض للقوائم السوداء، واحتمالات التورط في إجراءات انتقامية.

تأمين مخاطر الحرب يقفز إلى مستويات قياسية

ولم تتراجع تكلفة تأمين مخاطر الحرب إلى مستويات ما قبل الصراع بالتوازي مع إزالة الألغام.

وأشارت أحدث تقديرات السوق إلى وصول الأقساط الإضافية إلى نحو 7.5 % – 10 % من قيمة جسم السفينة بالنسبة إلى الرحلات الأعلى خطورة. مع اختلاف الأسعار بصورة كبيرة تبعًا لنوع السفينة، وملكيتها، والمسار الذي تسلكه، وتوقيت الرحلة.

ويُقارن ذلك بمستوى لم يكن يتجاوز نحو 0.25 % قبل اندلاع الصراع.

وقدرت شركة TotalEnergies أن تكلفة إرسال ناقلة VLCC تحمل مليوني برميل عبر مضيق هرمز والعودة من خلاله تصل إلى نحو 20 مليون دولار. أي ما يعادل قرابة 10 دولارات للبرميل.

أما شحن المنتجات النفطية المكررة باستخدام ناقلات أصغر، فقد تصل الزيادة في تكلفة النقل إلى نحو 50 دولارًا للبرميل. وهو مستوى يمكن أن يجعل بعض الرحلات غير مجدية اقتصاديًا.

وفي الوقت نفسه، تحولت القائمة السوداء الإيرانية من أداة ضغط تنظيمية إلى قيد فعلي على عمليات استئجار السفن.

وأفادت ثلاث شركات تكرير هندية على الأقل وشركة طاقة دولية كبرى بأنها ستتجنب التعامل مع السفن المدرجة على القائمة. بما في ذلك عمليات النقل من سفينة إلى أخرى.

ويؤدي هذا التطور إلى تقليص مجموعة السفن المتاحة للتجارة بصورة أكبر. ويعمق الفصل بين السفن القادرة على الامتثال للعقوبات وتلك المعرضة لخطر الاحتجاز أو المصادرة أو القيود الإيرانية.

عوائد شرق السويس تحتفظ بعلاوة ضخمة

انعكست المخاطر المرتفعة على سوق الشحن، خصوصًا في شرق السويس.

وتقترب عوائد ناقلات VLCC، محسوبة وفق التأجير الزمني المكافئ (TCE)، من 702 ألف دولار يوميًا على خط الشرق الأوسط–سنغافورة TD2. بزيادة تتجاوز 900 % مقارنة بالعام السابق.

وفي المقابل، جاءت الخطوط غرب السويس عند مستويات أقل، لكنها شهدت ارتفاعًا ملحوظًا، إذ سجل خط غرب أفريقيا–الصين TD15 نحو 219 ألف دولار يوميًا. بينما بلغ خط الخليج الأمريكي–الصين TD22 نحو 208 آلاف دولار يوميًا، بزيادة تجاوزت 20 % خلال أسبوع واحد لكل منهما.

أما سوق Suezmax، فقد استقر خط الشرق الأوسط–البحر المتوسط TD23 بالقرب من 335 ألف دولار يوميًا. مقابل نحو 188 ألف دولار يوميًا لخط البحر الأسود–البحر المتوسط TD6، ونحو 112–115 ألف دولار يوميًا لخطّي غرب أفريقيا–القارة الأوروبية TD20 وغيانا–منطقة ARA TD27.

وبذلك، لا تزال عوائد الناقلات في شرق السويس عند مستويات تقارب ثلاثة أضعاف نظيراتها في غرب السويس.

تراجع توافر VLCC شرق السويس

وانخفض عدد ناقلات VLCC المحملة المتاحة في البحر شرق السويس بنحو 36 % على أساس سنوي، ليصل إلى 122 سفينة وفق متوسط 30 يومًا.

وفي المقابل، ظل عدد ناقلات VLCC في حالة الصابورة أعلى بكثير، عند 204 سفن.

أما غرب السويس، فارتفع توافر ناقلات VLCC المحملة بنسبة 15 % إلى 60 سفينة، إلى جانب 71 سفينة في حالة الصابورة.

وسجلت ناقلات Suezmax حركة معاكسة؛ إذ ارتفع توافر السفن المحملة غرب السويس بنسبة 17 % إلى 142 سفينة، وهو أعلى مستوى ضمن النطاق المسجل خلال الفترة بين 2023 و2026.

وفي المقابل، انخفض العدد المقابل شرق السويس بنسبة 16% إلى 58 سفينة.

وبلغ عدد ناقلات Suezmax في حالة الصابورة 124 سفينة غرب السويس مقابل 63 سفينة شرق السويس.

ارتفاع أسعار السفن يعزز الاستثمار ويؤجل إعادة التدوير

دفعت ظروف سوق الشحن الحالية إلى إعادة تشكيل قرارات الاستثمار في الأصول البحرية.

فالمشترون مستعدون لدفع علاوة للحصول على سفن يمكنها تحقيق إيرادات فورية. بينما تمنح القيم المرتفعة للأصول المالكون فرصة لتحقيق مكاسب أكبر عند البيع.

وفي الوقت نفسه، تشجع توقعات الإيرادات المرتفعة على استمرار التعاقد على سفن جديدة. رغم أن تسليم هذه الوحدات سيحتاج إلى سنوات.

وشهد سوق السفن المستعملة نشاطًا قويًا عبر مختلف شرائح الأعمار. مع تسجيل مستويات من الاهتمام بالشراء تفوق بكثير ما كانت عليه خلال العام السابق.

وبذلك، يستفيد طرفا السوق؛ فالمالكون يمكنهم الاستفادة من ارتفاع قيم أصولهم. بينما يقبل المشترون أسعارًا أعلى مقابل التعرض الفوري لعوائد سوق الشحن. لكن إعادة التدوير تظل الحلقة الأضعف في جانب المعروض.

وقد ارتفعت أسعار خردة ناقلات VLCC وSuezmax بنحو 9% فقط على أساس سنوي، مقابل زيادات تراوحت بين 78 % و90 % في قيم السفن البالغة 20 عامًا.

ومع ارتفاع عوائد الشحن وقيم السفن القديمة، من المرجح أن تبقى عمليات إعادة التدوير عند مستويات محدودة. وهو ما يبطئ وتيرة خروج الناقلات القديمة من الخدمة.

ويأتي ذلك رغم ارتفاع طلبات بناء ناقلات النفط الخام الجديدة في عام 2026 إلى 279 ناقلة، بينها 217 ناقلة VLCC. بما يعزز المعروض المستقبلي من السفن.

الفجوة بين السفن الجديدة والمستعملة تتسع

في ظل المستويات الحالية، يتمتع مالكو السفن بقدرة قوية على تحقيق مكاسب من ارتفاع قيم الأصول، وهو ما يرجح استمرار اهتمام البائعين.

وفي المقابل، ستظل شهية شراء السفن الجديدة قائمة طالما بقيت أسعار البناء الجديد أقل من قيم السفن المستعملة البالغة خمس سنوات.

وتقدر قيمة ناقلة VLCC البالغة خمس سنوات حاليًا بنحو 151.1 مليون دولار. مقابل 130.2 مليون دولار لناقلة جديدة.

وبالنسبة إلى Suezmax، تصل قيمة السفينة البالغة خمس سنوات إلى نحو 103.8 مليون دولار، مقابل 90 مليون دولار للسفينة الجديدة.