صعدت مجموعة «سي كي هاتشيسون هولدنغز» نزاعها مع الحكومة البنمية، بعدما أعلنت بدء إجراءات تحكيم دولي للمطالبة بتعويضات تتجاوز 1.5 مليار دولار. على خلفية فقدان استثماراتها في محطتي الحاويات بميناءي بالـبوا وكريستوبال، الواقعين على جانبي قناة بنما.
وقالت المجموعة، التي يملكها الملياردير لي كا-شينغ، في بيان اليوم، إن قرار اللجوء إلى التحكيم جاء بعد تعثر محاولات التوصل إلى تسوية ودية مع السلطات البنمية. مشيرة إلى أن الإجراءات التي اتخذتها بنما خلال عامي 2025 و2026 تمثل، من وجهة نظرها، إخلالًا بمعاهدة حماية الاستثمارات.
وأضافت أن تلك الإجراءات انتهت إلى إلغاء امتيازات تشغيل المحطتين ووضعهما تحت سيطرة السلطات البنمية. مؤكدة أن مجلس إدارتها يعارض بشدة هذه الخطوات.
مطالبات قانونية تتجاوز 3.5 مليار دولار
ولا تمثل دعوى التحكيم الجديدة أول تحرك قانوني للمجموعة بشأن أصولها في بنما. إذ سبق لشركة Panama Ports Company، التابعة لـ«سي كي هاتشيسون»، أن بدأت إجراءات تحكيم دولي ضد الحكومة البنمية. مطالبة بتعويضات لا تقل عن ملياري دولار، بدعوى تعرض استثماراتها لما وصفته بـ«الاستيلاء الحكومي غير القانوني».
كما تخوض الشركة نزاعًا تحكيميًا منفصلًا في لندن مع شركة الشحن الدنماركية A.P. Moller-Maersk، على خلفية المرافق المينائية محل النزاع.
وبذلك تتسع الجبهة القانونية للمجموعة في الوقت الذي تزداد فيه حساسية ملف الموانئ البنمية على المستويين التجاري والجيوسياسي.
ميناءان استراتيجيان على قناة بنما
تكتسب محطتا بالـبوا وكريستوبال أهمية كبيرة بسبب موقعهما على طرفي قناة بنما، التي تعد من أهم الممرات البحرية العالمية. إذ تربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ وتؤدي دورًا رئيسيًا في حركة التجارة الدولية.
وتزامن النزاع حول المحطتين مع تصاعد التنافس الأمريكي-الصيني على الموانئ والبنية التحتية والممرات البحرية الاستراتيجية. ما جعل مستقبل المنشآت البنمية محل اهتمام دولي متزايد.
وكان خوسيه راوول مولينو، الرئيس البنمي، قد أمر في فبراير الماضي بوضع المحطتين تحت السيطرة المؤقتة. عقب صدور حكم عن أعلى محكمة في البلاد بشأن امتياز «سي كي هاتشيسون» لتشغيلهما.
ضغوط أمريكية وتحذيرات صينية
وتأتي التطورات القانونية في ظل ضغوط أمريكية متزايدة بشأن مستقبل قناة بنما والبنية التحتية المرتبطة بها. فيما حذرت بكين من تداعيات إلغاء العقد الممنوح للمجموعة الصينية-الهونغ كونغية لتشغيل الموانئ.
ويعكس ذلك تحول ملف الموانئ البنمية من نزاع تجاري وقانوني إلى قضية ذات أبعاد استراتيجية ترتبط بالتنافس بين القوى الكبرى على الممرات البحرية وسلاسل الإمداد العالمية.
تحكيم قد يستغرق سنوات
ومن المرجح أن تمتد إجراءات التحكيم الدولي لسنوات قبل حسم النزاع. خاصة أن القضايا المتعلقة بامتيازات تشغيل الموانئ الكبرى تتطلب مراحل قانونية وتفاوضية معقدة.
كما قد تتغير قيمة المطالبات المالية خلال مسار التحكيم. سواء نتيجة التوصل إلى تسوية بين الأطراف أو إعادة تقييم حجم الأضرار من جانب هيئة التحكيم، أو الاتفاق على تسوية مالية خارج إطار المحكمة.
الموانئ البنمية ضمن صفقة عالمية بـ19 مليار دولار
ويكتسب النزاع أهمية إضافية بالنسبة إلى «سي كي هاتشيسون». بعدما كانت محطتا بالـبوا وكريستوبال جزءًا من خطة المجموعة لبيع شبكة عالمية تضم 43 محطة ومرفقًا مينائيًا بقيمة تتجاوز 19 مليار دولار.
لكن الصفقة واجهت عراقيل سياسية وجيوسياسية لأكثر من عام، خصوصًا في ظل مشاركة شركة «بلاك روك» الأمريكية ضمن التحالف الذي كان يستهدف الاستحواذ على الأصول.
وفي محاولة لتجاوز الاعتراضات الصينية، دعت المجموعة شركات صينية مملوكة للدولة إلى الانضمام إلى تحالف المشترين. الذي يضم حاليًا «تشاينا كوسكو شيبينغ» و«تشاينا ميرشانتس غروب».
4 % فقط من قيمة الصفقة
ورغم الغموض الذي يحيط بمستقبل الصفقة، فإن فقدان محطتي بالبوت وكريستوبال لا يُتوقع أن يؤثر بصورة كبيرة على القيمة الإجمالية للاتفاق. إذ تمثل المنشأتان نحو 4 % فقط من إجمالي قيمة الصفقة.
الموانئ تتحول إلى أدوات للصراع الجيوسياسي
ويؤكد النزاع المتصاعد بين «سي كي هاتشيسون» وبنما أن السيطرة على البنية التحتية المينائية لم تعد قضية تجارية بحتة. بل أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بالسيادة الوطنية والأمن الاقتصادي والتنافس الجيوسياسي.
وتزداد هذه الأهمية عندما يتعلق الأمر بموانئ تقع على ممرات بحرية استراتيجية. مثل قناة بنما، التي تمثل أحد أهم شرايين التجارة العالمية.













