يواجه قطاع الشحن اليوناني تحديات متزايدة في تأمين الكوادر البحرية المؤهلة. بالتزامن مع تفاقم النقص العالمي في أطقم السفن، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية. واشتداد المنافسة بين شركات الملاحة على استقطاب البحارة أصحاب الخبرات والمهارات.
وفي ظل هذه المتغيرات، بدأ ملاك السفن اليونانيون في إعادة النظر في أساليب توفير الأطقم. مع اتجاه متزايد نحو توسيع قاعدة الدول التي يتم الاعتماد عليها في استقطاب البحارة. باعتبار أن تنويع مصادر العمالة يمكن أن يوفر مرونة أكبر ويحد من المخاطر المرتبطة بالاعتماد على أسواق محددة.
تأمين الأطقم يتحول إلى أولوية إستراتيجية
قال هنريك ينسن، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “دانيكا كريوينغ سبيشاليستس”، وهي شركة دولية متخصصة في توظيف وإدارة أطقم السفن، بحسب التقرير المنشور اليوم. إن ملف توفير أطقم السفن أصبح يحظى باهتمام متزايد لدى قيادات صناعة الشحن اليونانية. باعتباره أحد الملفات التي ستحدد قدرة الشركات على مواصلة النمو خلال السنوات المقبلة.
وأوضح ينسن، عقب مشاركته في مؤتمر “كابيتال لينك” الذي عقد ضمن فعاليات “بوسيدونيا”، أن عددًا من كبار ملاك السفن اليونانيين وضعوا تأمين الأطقم ضمن أبرز التحديات الإستراتيجية التي تواجه القطاع، إلى جانب تداعيات التطورات الجيوسياسية والاستعداد للانتقال إلى أنواع الوقود المستقبلية.
وأشار إلى أن هذا الاهتمام يعكس إدراكًا متزايدًا داخل القطاع بأن المنافسة المستقبلية لن تقتصر على السفن والتكنولوجيا. وإنما تمتد أيضًا إلى القدرة على استقطاب الكفاءات البحرية والاحتفاظ بها.
التوجه نحو قاعدة أوسع للبحارة
رصدت “دانيكا” خلال الفترة الأخيرة ارتفاع اهتمام ملاك السفن اليونانيين بتوسيع مزيج الجنسيات الموجودة على متن أساطيلهم. بهدف تقليل الاعتماد على مصادر تقليدية محدودة للعمالة البحرية.
وأوضح ينسن أن عددًا متزايدًا من ملاك السفن يتجهون إلى التعاون مع الشركة بهدف تنويع جنسيات البحارة العاملين على سفنهم. مستفيدين من شبكة “دانيكا” الدولية التي تضم مكاتب متخصصة في التوظيف وتوفير الأطقم داخل أهم أسواق العمالة البحرية.
وتتيح هذه الشبكة لملاك السفن التعامل من خلال نقطة اتصال واحدة. مع الوصول إلى قاعدة أوسع من البحارة المؤهلين. مع الحفاظ على معايير موحدة في عمليات الاختيار والتوظيف وتوفير الأطقم.
دروس الجائحة تعزز أهمية التنويع
أظهرت الأزمات العالمية الأخيرة أن الاعتماد على عدد محدود من الدول كمصادر رئيسية للبحارة قد يتحول إلى نقطة ضعف بالنسبة لشركات الشحن.
ويشير ينسن إلى أن جائحة “كوفيد-19” قدمت مثالًا واضحًا على ذلك، بعدما أدت القيود المفروضة على السفر والحركة إلى تعذر الوصول بشكل مفاجئ إلى أسواق رئيسية لتوفير الأطقم. ما تسبب في ضغوط كبيرة على شركات الملاحة.
ولا تقتصر المخاطر حاليًا على الأزمات الصحية، إذ تضيف التطورات الجيوسياسية مستوى جديدًا من عدم اليقين. يمكن أن يؤثر في حركة العمالة بين الدول أو يحد من قدرة الشركات على الوصول إلى بعض أسواق البحارة.
ومن ثم، فإن توزيع عمليات استقطاب البحارة على مجموعة أكبر من الدول يمنح ملاك السفن قدرة أعلى على التعامل مع أي اضطرابات قد تصيب سوقًا بعينه. إلى جانب توسيع قاعدة الاختيار أمام الشركات في ظل المنافسة المتزايدة على الضباط والبحارة ذوي الخبرة.
إندونيسيا سوق واعدة للعمالة البحرية
ويرى ينسن أن إندونيسيا تمثل إحدى الفرص التي لم تستغل بالشكل الكافي حتى الآن كمصدر للكوادر البحرية بالنسبة إلى ملاك السفن اليونانيين.
وتضم البلاد نحو 1.4 مليون بحار، كما تمتلك منظومة متقدمة للتعليم والتدريب البحري. إلى جانب التطبيق الكامل لمتطلبات اتفاقية “STCW” الخاصة بمعايير التدريب وإصدار الشهادات وأعمال النوبة للبحارة.
وتوفر هذه المقومات قاعدة كبيرة من الكوادر القادرة على العمل في قطاع الشحن الدولي، ما يجعل السوق الإندونيسية خيارًا يمكن لملاك السفن الاعتماد عليه ضمن خططهم الرامية إلى توسيع مصادر العمالة.
كينيا تدخل خريطة استقطاب البحارة
بالتوازي مع ذلك، تعمل “دانيكا” على تطوير مصادر جديدة للعمالة البحرية المستقبلية من خلال شراكة تستهدف تدريب طلاب إحدى الأكاديميات البحرية الرائدة في كينيا.
وأتمت المجموعة الأولى من المتدربين الكينيين بالفعل فترة الخدمة البحرية الأولية. فيما تلقت الشركة تقييمات إيجابية من ملاك السفن بشأن مستواهم الفني وقدرتهم على الاندماج والعمل ضمن أطقم تضم جنسيات متعددة.
ويعكس هذا التوجه محاولة لبناء قاعدة مستدامة من البحارة المؤهلين بدلًا من الاعتماد فقط على التوظيف عند ظهور الاحتياجات الفعلية.
التنوع يحتاج إلى بيئة عمل مناسبة
لكن تنويع جنسيات البحارة لا يضمن وحده نجاح استراتيجية توفير الأطقم، بحسب ينسن. الذي يرى أن شركات الشحن مطالبة في الوقت نفسه بتوفير بيئة عمل آمنة وشاملة لجميع أفراد الطاقم.
ويشدد على ضرورة مواجهة أي ممارسات تتعلق بالتمييز أو العنصرية أو التحرش أو التنمر. مؤكدًا أن القباطنة وكبار الضباط يتحملون دورًا رئيسيًا في خلق بيئة يشعر فيها جميع أفراد الطاقم بالتقدير والاحترام.
ويحمل التنوع داخل الطاقم قيمة استراتيجية لشركات الشحن. لكنه يتطلب في المقابل ثقافة مؤسسية تساعد أفراد الطاقم من مختلف الخلفيات والجنسيات على التواصل والعمل المشترك بكفاءة.
خطة تمتد لثلاث سنوات
دعا ينسن ملاك السفن اليونانيين إلى الانتقال من التعامل مع نقص الأطقم باعتباره مشكلة تشغيلية يومية إلى اعتباره ملفًا استراتيجيًا يحتاج إلى تخطيط طويل الأجل.
ويرى أن الشركات مطالبة بالنظر إلى احتياجاتها المستقبلية بدلًا من التركيز فقط على سد الشواغر العاجلة. وذلك من خلال تحديد نقاط الضعف في منظومة توفير الأطقم، ودراسة معدلات نمو الأسطول. وتحديد المهارات التي ستحتاج إليها السفن مع دخول التقنيات وأنواع الوقود الجديدة إلى الخدمة.
ويقترح إعداد إستراتيجية مكتوبة لتوفير العمالة تمتد لثلاث سنوات. على أن تتضمن خطة واضحة لتوسيع عدد الدول التي يتم الاعتماد عليها في استقطاب البحارة.













