سجل نهر الراين في ألمانيا أدنى منسوب مياه في تاريخه الحديث، في تطور يعكس تصاعد تأثيرات الجفاف والتغير المناخي على أحد أهم شرايين النقل النهري في أوروبا.
ويأتي ذلك في وقت حذر فيه أحدث تقرير صادر عن بنك ING من أن تكرار هذه الظواهر يفرض على الشركات إعادة النظر في استراتيجيات إدارة سلاسل الإمداد. مع تزايد المخاطر المناخية والجيوسياسية.
مستوى قياسي منخفض في أحد أهم الممرات الملاحية
وأظهرت بيانات هيئة الملاحة الداخلية الألمانية (WSV)، الخاصة بالحركة حتى مساء أمس الأربعاء، أن عمق المجرى الملاحي عند منطقة كاوب (Kaub)، بالقرب من مدينة كوبلنز، انخفض إلى 23 سنتيمترًا. مسجلًا أدنى مستوى على الإطلاق، مقارنة بالرقم القياسي السابق البالغ 25 سنتيمترًا والمسجل في عام 2018.
ورغم أن العمق الإجمالي للنهر في هذه المنطقة يزيد بنحو متر عن عمق المجرى الملاحيظ. فإن هذا الانخفاض يفرض قيودًا كبيرة على حركة السفن التجارية.
تعليق بعض الرحلات وتقليص الحمولات
وأدى تراجع منسوب المياه إلى اضطرار بعض خدمات نقل البضائع إلى تعليق عملياتها بالكامل. بينما واصلت سفن أخرى العمل بحمولات أقل بكثير من طاقتها التصميمية، حفاظًا على سلامة الملاحة.
ويؤثر ذلك بصورة مباشرة في كفاءة النقل النهري. ويحد من قدرة الممرات المائية على استيعاب حركة البضائع بين الموانئ الأوروبية والمناطق الصناعية.
الجفاف يفاقم أزمة النقل النهري
وأوضح تقرير سابق لـING، صدر خلال الأسبوع الجاري، أن موجة الجفاف الحالية دفعت مناسيب المياه في نهر الراين إلى مستويات متدنية بصورة غير معتادة. ما أجبر الصنادل على تقليص حمولاتها بشكل كبير، الأمر الذي انعكس على الطاقة الاستيعابية للنقل الداخلي.
وأشار التقرير إلى أن حدوث هذه الأزمة في وقت مبكر من الموسم يعكس تنامي آثار التغير المناخي. في ظل تراجع الغطاء الثلجي وتسارع ذوبان الأنهار الجليدية. ما يرجح تكرار هذه الظاهرة بوتيرة أكبر خلال السنوات المقبلة.
ارتفاع تكاليف الشحن وتأثر الصناعات
وتسببت القيود الملاحية في تشغيل الصنادل بجزء محدود من طاقتها. ما أدى إلى الحاجة لاستخدام أكثر من بارجة لنقل الحمولة التي كانت تنقلها سفينة واحدة في الظروف الطبيعية.
كما أصبحت بعض المواقع الصناعية المعتمدة على النقل النهري أقل سهولة في الوصول إليها. في حين زادت الضغوط بعد إغلاق قناة “توينتي” في هولندا، المرتبطة بمنظومة نهر الراين.
وأدى ذلك إلى ارتفاع تكاليف النقل، وإطالة مدد الشحن، وزيادة الضغوط على إمدادات المواد الخام الموجهة للمصانع.
خاصة مع تكرار انخفاض مناسيب المياه خلال العقد الأخير بوتيرة تجاوزت ما شهدته العقود الخمسة السابقة مجتمعة.
أزمة الراين جزء من تحديات التجارة العالمية
ويرى تقرير “ING” أن ما يحدث في نهر الراين لا يمثل أزمة منفصلة. بل يأتي ضمن سلسلة من الاضطرابات التي تواجه التجارة العالمية نتيجة تداخل المخاطر المناخية مع التوترات الجيوسياسية.
وأشار إلى استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز، وتأثير الرسوم الجمركية في إعادة رسم شبكات الشحن العالمية.
بالإضافة إلى استمرار المخاطر المناخية التي تؤثر في قناة بنما. في وقت لم تستعد فيه خدمات شحن الحاويات مستويات الاعتمادية التي كانت قائمة قبل جائحة “كورونا”.
مرونة سلاسل الإمداد أصبحت أولوية
وأكد التقرير أن تكرار الاضطرابات أدى إلى تراجع الطاقة التشغيلية المتاحة، وارتفاع تكاليف النقل، وإطالة فترات التسليم. ما يستدعي إعادة تقييم أساليب إدارة الخدمات اللوجستية.
وأوضح أن التعامل مع الخدمات اللوجستية باعتبارها مجرد عنصر لخفض التكاليف لم يعد مناسبًا. إذ إن الخسائر الناتجة عن توقف خطوط الإنتاج أو نقص الإمدادات قد تتجاوز كثيرًا الوفورات المحققة من تقليص نفقات النقل.













