حذر تقرير حديث صادر عن ING من أن الانخفاض الحاد في منسوب المياه بنهر الراين، أحد أهم الممرات المائية للنقل في أوروبا. يمثل إنذارًا جديدًا بضرورة تعزيز مرونة سلاسل الإمداد. في ظل تزايد تأثيرات التغير المناخي والاضطرابات الجيوسياسية على حركة التجارة العالمية.
أدنى مستويات المياه تؤثر على حركة النقل
تشهد أوروبا موجة جديدة من الجفاف أدت إلى وصول منسوب المياه في نهر الراين إلى مستويات قياسية منخفضة. ما انعكس مباشرة على حركة النقل النهري. إذ اضطرت الصنادل إلى تقليص حمولاتها بشكل كبير، الأمر الذي خفض الطاقة الاستيعابية للممرات المائية الداخلية.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة لكونه حدث في وقت مبكر من الموسم، وهو ما يعكس تصاعد تأثيرات التغير المناخي. مع توقعات باستمرار انخفاض مناسيب المياه نتيجة تراجع الغطاء الثلجي وذوبان الأنهار الجليدية بوتيرة أكبر. الأمر الذي قد يجعل هذه الظاهرة أكثر تكرارًا في السنوات المقبلة.
قيود تشغيلية وارتفاع تكاليف الشحن
أدى انخفاض منسوب المياه إلى فرض قيود على حركة الصنادل التي تنقل المواد الخام والحاويات إلى ألمانيا. حيث باتت تعمل في كثير من الأحيان بجزء محدود من طاقتها المعتادة. فيما يتطلب نقل حمولة سفينة واحدة استخدام عدة صنادل بدلاً من واحدة فقط.
كما أصبحت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على النقل النهري أكثر صعوبة في الوصول إليها. في حين ساهم إغلاق قناة “توينتي” في هولندا، المرتبطة بمنظومة نهر الراين، في توسيع نطاق التأثير.
وأسفر ذلك عن ارتفاع تكاليف النقل، وإطالة مدد الشحن، وزيادة الضغوط على إمدادات المواد الخام اللازمة للمصانع. وسط تكرار ظاهرة انخفاض المياه خلال العقد الأخير بوتيرة تفوق ما شهدته العقود الخمسة السابقة مجتمعة.
الأزمة جزء من اضطرابات أوسع في التجارة العالمية
أوضح التقرير أن أزمة نهر الراين ليست حالة منفصلة، بل تأتي ضمن سلسلة من الاضطرابات التي أصبحت تضغط على سلاسل الإمداد العالمية. في ظل تداخل تأثيرات التغير المناخي مع التوترات الجيوسياسية.
وأشار إلى أن العام الجاري شهد استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز. إلى جانب الرسوم الجمركية التي دفعت العديد من الشركات إلى تعديل خطط الشحن وإعادة ترتيب شبكات النقل، فيما لا تزال قناة بنما معرضة لمخاطر مرتبطة بالظروف المناخية.
كما لم تستعد خدمات شحن الحاويات مستويات الاعتمادية التي كانت سائدة قبل جائحة كورونا.
الكفاءة وحدها لم تعد كافية
نوه التقرير إلى أن تكرار اضطرابات سلاسل الإمداد أدى إلى تراجع الطاقة المتاحة، وارتفاع تكاليف النقل، وإطالة فترات التسليم. وهو ما يفرض إعادة النظر في إدارة الخدمات اللوجستية.
وأوضح أن النظر إلى الخدمات اللوجستية باعتبارها مجرد مركز تكلفة لم يعد مناسبًا. إذ إن توقف خطوط الإنتاج أو نقص المنتجات بسبب تعطل الإمدادات قد تكون كلفته أعلى بكثير من الوفورات الناتجة عن خفض تكاليف النقل. ما يجعل تحقيق التوازن بين الكفاءة والمرونة ضرورة ملحة.
خطوات لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد
أوصى التقرير بعدد من الإجراءات التي يمكن أن تساعد الشركات على الحد من آثار الاضطرابات، من بينها:
– زيادة المخزونات الاحتياطية عندما تسمح طبيعة النشاط بذلك.
– الاعتماد على وسائل نقل بديلة مثل السكك الحديدية والطرق، أو الشحن الجوي عند الضرورة.
– تنويع الموردين ومناطق التوريد لتقليل الاعتماد على مصدر أو مسار واحد.
– تعزيز القدرة على متابعة سلاسل الإمداد ووضع خطط للطوارئ.
تطوير النقل النهري على المدى الطويل
أشار التقرير إلى أن المنشآت الصناعية الواقعة على ضفاف نهر الراين تفتقر في كثير من الأحيان إلى بدائل مناسبة لنقل كميات ضخمة من خام الحديد والفحم والمواد الكيميائية والمنتجات النفطية.
ويستدعي ذلك حلولًا طويلة الأجل تشمل تطوير تصميم السفن، وتحديث الأساطيل، وتحسين البنية التحتية للممرات المائية.
وفي المقابل، تتمتع سلاسل الإمداد القائمة على الحاويات بمرونة أكبر نسبيًا. إذ يمكنها التحول إلى وسائل ومسارات بديلة. وإن كان ذلك يرفع تكاليف النقل.
المرونة أصبحت ضرورة وليست خيارًا
أكد التقرير أن العديد من الشركات بدأت بالفعل في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد من خلال تنويع مصادر التوريد. وتطوير أنظمة تتبع الشحنات، والاستثمار في أدوات إدارة المخاطر.
وأشار إلى أن هذه الإجراءات لن تمنع وقوع الاضطرابات، لكنها ستحد بدرجة كبيرة من تأثيرها. مؤكدًا أن المرونة أصبحت عنصرًا أساسيًا لاستمرار الأعمال في ظل البيئة التشغيلية الحالية.













