في ظل التحديات الأمنية المتصاعدة التي تشهدها منطقة البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، برزت المملكة، بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بمبادرة استراتيجية، تهدف إلى تأسيس تحالف بحري دولي لحماية حرية الملاحة وتأمين خطوط التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
وتأتي هذه المبادرة في توقيت بالغ الأهمية. بعد تصاعد التهديدات التي استهدفت السفن التجارية وناقلات النفط. ما انعكس على حركة التجارة العالمية ورفع تكاليف التأمين البحري وأثار مخاوف المجتمع الدولي بشأن أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وقد استضافت المملكة اجتماعًا دوليًا ضم ممثلين عن 43 دولة. علاوة على الاتحاد الأوروبي، لبحث آليات إنشاء التحالف.
فيما أعلنت 14 دولة تأييدها الرسمي للمبادرة في مرحلتها الأولى، مع التأكيد على أن باب الانضمام سيظل مفتوحًا للدول الراغبة في المشاركة بعد استكمال إجراءاتها الوطنية.
لماذا تعد المبادرة السعودية مهمة؟
ولم تقتصر المبادرة على حماية المصالح الوطنية السعودية فحسب. بل جاءت لتعزيز الأمن البحري الدولي، وضمان استمرار انسياب التجارة العالمية وحرية الملاحة وفق القانون الدولي.
كما أن اختيار الرياض مقرًا لقيادة التحالف يعكس المكانة السياسية والعسكرية للمملكة. علاوة على قدرتها على جمع الدول الصديقة والشريكة تحت مظلة أمنية مشتركة.
هل قوة التحالف تُقاس بعدد الدول؟
أحد أكثر الانتقادات التي صاحبت الإعلان عن المبادرة تمثل في التركيز على عدد الدول المنضمة. إلا أن هذا الطرح يغفل حقيقة أساسية في العلوم العسكرية، وهي أن فاعلية التحالفات تقاس بقدرات أعضائها، وليس بعددهم فقط.
فالتحالف يضم في مرحلته الأولى دولًا تمتلك ثقلًا عسكريًا وبحريًا وجغرافيًا واضحًا، من أبرزها:
* المملكة العربية السعودية.
* جمهورية مصر العربية.
* الجمهورية التركية.
* جمهورية باكستان الإسلامية.
وتعد هذه الدول من بين أكثر الدول امتلاكًا للقدرات البحرية والعسكرية في المنطقة الإسلامية. سواء من حيث حجم الأساطيل، أو القوات الجوية والبرية، أو الخبرة العملياتية في حماية الممرات البحرية.
إلى جانب ذلك، يضم التحالف دولًا تقع على البحر الأحمر وخليج عدن أو بالقرب منهما، مثل الأردن، جيبوتي، السودان، الصومال واليمن. ما يمنح التحالف بعدًا جغرافيًا مهمًا في مراقبة وتأمين الممرات البحرية.
كما تشارك دول الخليج، مثل البحرين وقطر والكويت، بما تمتلكه من خبرات وقدرات دفاعية وإمكانات لوجستية. علاوة إلى دول أخرى مثل بنغلاديش ونيجيريا، بما يعزز الطابع الدولي للمبادرة.
التحالف رسالة ردع قبل أن يكون تحالفًا قتاليًا
ولا ينبغي النظر إلى التحالف باعتباره مجرد قوة بحرية لتنفيذ عمليات عسكرية. بل هو أيضًا رسالة استراتيجية تؤكد أن أمن البحر الأحمر وباب المندب مسؤولية جماعية، وأن أي تهديد لحرية الملاحة سيواجه بتنسيق دولي منظم.
فالردع لا يتحقق فقط باستخدام القوة، بل يتحقق كذلك بإظهار وحدة الموقف السياسي والعسكري، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق الدوريات البحرية، ورفع الجاهزية المشتركة.
رؤية سعودية تتجاوز رد الفعل
ما يميز هذه المبادرة أنها لا تمثل استجابة مؤقتة لأزمة عابرة. بل تعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى تسعى إلى بناء إطار أمني إقليمي ودولي أكثر استدامة لحماية الممرات البحرية الحيوية.
كما تؤكد أن المملكة لم تكتفِ بدور المتابع للتطورات، بل اختارت أن تكون صاحبة المبادرة. وأن تقود جهدًا دوليًا يهدف إلى حماية التجارة العالمية، وأمن الطاقة، وحرية الملاحة البحرية.
نجاح المبادرة السعودية منذ إعلانها
قد يتغير عدد الدول المشاركة مع مرور الوقت، وقد تنضم دول أخرى مستقبلًا، لكن الثابت أن المبادرة السعودية نجحت منذ إعلانها في جمع عدد كبير من الدول حول طاولة واحدة.
كما أنها وضعت أساسًا لتحالف بحري جديد تقوده المملكة في واحدة من أكثر المناطق البحرية أهمية وحساسية في العالم.
وفي النهاية، فإن التاريخ العسكري يثبت أن نجاح التحالفات لا يُقاس بعدد الأعضاء. وإنما بقدرتهم على التنسيق، وامتلاك الإرادة السياسية، والجاهزية العسكرية، وتحقيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها.
بقلم: المرشد البحري هيثم الزهراني
مرشد بحري بميناء ينبع الصناعي













