قد يشهد قطاع النقل البحري للحاويات تحولًا جديدًا مع تزايد الاهتمام بالممر البحري الشمالي (NSR)، الذي يربط آسيا بأوروبا عبر القطب الشمالي. بعدما بدأت شركات الشحن في الانتقال من مرحلة التجارب المحدودة إلى التخطيط لتشغيل خدمات منتظمة خلال المواسم المناسبة.
ووفقًا للتقرير الأسبوعي الصادر عن شركة الوساطة البحرية Intermodal. تستعد شركة Sea Legend Shipping المدعومة من الصين لإطلاق أول خدمة موسمية منتظمة عبر هذا المسار. مستندة إلى نجاح الرحلة التجريبية التي نفذتها العام الماضي.
من رحلة تجريبية إلى خدمة موسمية
وكانت سفينة Istanbul Bridge، التي تبلغ سعتها 4890 حاوية مكافئة. قد أنجزت في عام 2025 رحلة بين الصين وأوروبا عبر الممر البحري الشمالي خلال نحو 21 يومًا. ما شجع الشركة على توسيع التجربة.
وتخطط الشركة لتسيير ثماني رحلات شبه أسبوعية خلال الفترة الممتدة من منتصف أغسطس حتى أكتوبر القادم. باستخدام سبع سفن، معظمها من فئة سفن التغذية (Feeder). مع استهداف زمن عبور يتراوح بين 20 و22 يومًا.
ويعد هذا البرنامج أول محاولة فعلية لتشغيل خدمة حاويات منتظمة عبر القطب الشمالي. ذلك بعد سنوات اقتصرت فيها الحركة على رحلات تجريبية أو شحنات محدودة.
تقليص زمن الرحلات بين آسيا وأوروبا
وقال نيكوس تاجوليس؛ كبير المحللين في Intermodal، إن أبرز ما يميز هذا المسار هو اختصار زمن الرحلة بين شمال شرق آسيا وشمال أوروبا بنسبة تتراوح بين 30 % و40 % مقارنة بالطرق التقليدية.
وأوضح أن هذا التقليص يمنح شركات الشحن خيارًا موسميًا أسرع من المرور عبر قناة السويس أو النقل بالسكك الحديدية بين الصين وأوروبا. إلى جانب إمكانية خفض استهلاك الوقود والانبعاثات الكربونية.
وأضاف أن هذه المزايا تجعل الممر البحري الشمالي مناسبًا بشكل خاص للبضائع مرتفعة القيمة والحساسة للوقت. مثل السيارات الكهربائية والبطاريات ومعدات الطاقة الشمسية. حيث يساهم تقليل مدة النقل في تسريع دوران رأس المال وتقليص الفترة التي تظل خلالها البضائع قيد الشحن.
سفن أصغر تناسب طبيعة السوق
وأشار التقرير إلى أن الخدمة ستعتمد على سفن تغذية تتراوح سعتها بين 1500 و5000 حاوية مكافئة. ما يتناسب مع أحجام البضائع الموسمية المتاحة حاليًا.
وأوضح “تاجوليس” أن السوق لا يوفر حتى الآن أحجام شحن كافية لتشغيل سفن الحاويات العملاقة. لذلك يوفر استخدام السفن الأصغر مرونة أكبر ويسمح بالحفاظ على وتيرة تشغيل شبه أسبوعية خلال الموسم.
نمو تدريجي لحركة الملاحة في القطب الشمالي
وتزامن هذا المشروع مع استمرار ارتفاع النشاط الملاحي عبر الممر البحري الشمالي. إذ أظهرت بيانات المركز النرويجي للوجستيات في المناطق الشمالية العليا ارتفاع عدد رحلات العبور من 97 رحلة في عام 2024 إلى 107 رحلات خلال 2025.
كما ارتفع عدد رحلات سفن الحاويات عبر المسار من 11 رحلة إلى 15 رحلة خلال الفترة نفسها. ما يعادل نحو خمسة أضعاف حجم الحركة المسجل قبل عشرة أعوام.
تنافس دولي على تطوير الممر
ولفت التقرير إلى أن عددًا من القوى الاقتصادية الكبرى تعمل على تعزيز حضورها في هذا الطريق البحري.
فروسيا تواصل استخدامه لنقل الغاز الطبيعي المسال والنفط الخام والفحم إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية. مدعومة بتوسيع أسطول كاسحات الجليد والاستثمار في تطوير الموانئ والمنشآت والبنية التحتية الخاصة بالطوارئ.
وفي المقابل، تواصل الصين اختبار المسار ضمن مشروع “طريق الحرير القطبي” لتعزيز الربط التجاري مع أوروبا. بينما تعمل كوريا الجنوبية على اكتساب الخبرات التشغيلية عبر رحلات تجريبية مدعومة حكوميًا، في مؤشر على تنامي الاهتمام الدولي بالممر.
مرونة إضافية وسط الاضطرابات الجيوسياسية
ويرى “تاجوليس” أن أهمية الممر البحري الشمالي تزداد في ظل استمرار الاضطرابات الجيوسياسية والتقلبات التي تشهدها التجارة العالمية وأسواق الطاقة.
وأوضح أن هذا الطريق لا يمثل بديلاً مباشراً لقناة السويس. كما أنه لا يرتبط بشكل مباشر بالتطورات في مضيق هرمز. لكنه يوفر مسارًا إضافيًا يقلل الاعتماد على عدد محدود من الممرات البحرية الاستراتيجية. ويمنح سلاسل الإمداد قدرًا أكبر من المرونة حتى وإن ظل استخدامه موسميًا ومحدود الحجم.
تحديات تشغيلية وتنظيمية
ورغم المزايا التي يوفرها، لا يزال الممر البحري الشمالي يواجه مجموعة من التحديات التي تحد من انتشاره التجاري.
فالملاحة عبره تعتمد على الظروف الموسمية للجليد. كما تتطلب سفنًا مجهزة للإبحار في البيئات القطبية، وأطقمًا متخصصة، وخدمات ملاحية موثوقة.
وتضاف إلى ذلك محدودية البنية التحتية، سواء من حيث الموانئ العميقة أو مرافق التموين بالوقود أو خدمات الإنقاذ والطوارئ.
فضلًا عن ضرورة التنسيق مع السلطات الروسية والاستعانة بكاسحات الجليد عند الحاجة. إلى جانب التعقيدات المرتبطة بالعقوبات المفروضة على بعض الجهات الروسية.
كما حذر التقرير من أن زيادة حركة الملاحة قد تؤدي إلى آثار بيئية. من بينها ارتفاع انبعاثات الكربون الأسود وزيادة مخاطر الحوادث في منطقة يصعب تنفيذ عمليات الإنقاذ فيها بسبب الظروف المناخية القاسية.
اختبار حقيقي لمستقبل الشحن عبر القطب الشمالي
وأشار “تاجوليس” إلى أن أهمية المشروع الحالي لا تكمن في عدد الرحلات المقرر تشغيلها. وإنما في كونه يمثل أول اختبار عملي لإمكانية تشغيل خدمات حاويات منتظمة عبر القطب الشمالي.
وأضاف أنه إذا نجحت شركة “Sea Legend Shipping” في تنفيذ برنامجها الموسمي، فقد يفتح ذلك الباب أمام نشوء سوق متخصصة للنقل البحري عبر هذا المسار. ويزيد الطلب على سفن التغذية القادرة على الإبحار في الجليد، والخدمات البحرية المرتبطة بها.
ونوه إلى أن تراجع الغطاء الجليدي وارتفاع درجات الحرارة قد يسهمان مستقبلًا في إطالة موسم الملاحة. إلا أن الممر البحري الشمالي سيظل في الوقت الراهن، طريقًا موسميًا محدود الاستخدام، وإن كان يشهد نموًا تدريجيًا ومتواصلًا.











