رغم استمرار محدودية عمليات تخريد ناقلات النفط الخام خلال السنوات الأخيرة، تشير المؤشرات إلى أن السوق العالمية قد تكون مقبلة على تحول كبير. مع توقعات بارتفاع ملحوظ في وتيرة إخراج السفن القديمة من الخدمة اعتبارًا من عام 2028.
ويرجع ذلك إلى تزامن عدة عوامل، أبرزها تقادم الأسطول العالمي، والزيادة القياسية في طلبيات بناء الناقلات الجديدة، وتشديد المتطلبات البيئية. إلى جانب المتغيرات الجيوسياسية التي قد تقلص الاعتماد على “أسطول الظل”.
وأوضح أحدث تقرير صادر عن شركة دروري لتحليلات النقل البحري، أن حالة الهدوء الحالية في سوق تخريد الناقلات تمثل ما وصفه بـ”الهدوء الذي يسبق العاصفة”. متوقعًا أن تشهد السوق موجة واسعة من التخريد خلال السنوات المقبلة مع تراجع الجدوى الاقتصادية لتشغيل السفن القديمة.
تقادم الأسطول يعزز فرص التخريد
أشار التقرير إلى أن قرار تخريد أي ناقلة يعتمد على مجموعة من الاعتبارات الاقتصادية، تشمل مقارنة العائد التشغيلي بقيمة السفينة في سوق الخردة. فضلًا عن تكاليف الصيانة والإصلاح، ومتطلبات الامتثال للوائح التنظيمية، ومستويات أجور النقل.
ولفت إلى أن ارتفاع أسعار الشحن خلال الأعوام الماضية. إلى جانب الطلب المتزايد على الناقلات القديمة في تجارة النفط الخاضعة للعقوبات. ساهم في إطالة العمر التشغيلي للعديد من السفن وتأجيل إحالتها إلى ساحات التفكيك.
وخلال الفترة بين عامي 2022 و2026، لم يتجاوز عدد ناقلات النفط الخام التي جرى تخريدها 52 ناقلة فقط. من بينها 7 ناقلات عملاقة من فئة VLCC، و16 ناقلة Suezmax، و23 ناقلة Aframax. وهي مستويات منخفضة مقارنة بحجم الأسطول العالمي.
وفي المقابل، ارتفع متوسط عمر أسطول ناقلات النفط الخام إلى أعلى مستوياته منذ أكثر من عشرين عامًا. إذ أصبحت نحو نصف الناقلات العاملة يبلغ عمرها 15 عامًا أو أكثر.
بينما تجاوزت نسبة السفن التي يزيد عمرها على 20 عامًا ما بين 20% و23% من إجمالي الأسطول. ما يجعلها مرشحة بقوة للخروج من الخدمة خلال السنوات المقبلة.
تراجع دور “أسطول الظل”
وأوضح التقرير أن العقوبات المفروضة على صادرات النفط من إيران وروسيا وفنزويلا خلقت خلال السنوات الماضية طلبًا قويًا على الناقلات القديمة التي تعمل ضمن ما يعرف بـ”أسطول الظل”. وهو ما ساهم في تأجيل عمليات التخريد.
ونوه إلى أن المتغيرات الجيوسياسية الأخيرة بدأت تقلص هذا الدور تدريجيًا، مع عودة فنزويلا إلى بعض الأسواق. والتخفيف المؤقت للعقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيرانية والروسية، وهو الأمر الذي خفف الحاجة إلى جزء من هذا الأسطول.
وأضاف التقرير أن التوصل إلى اتفاق دائم بشأن البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات الأمريكية مستقبلًا قد يؤدي إلى انكماش تجارة النفط غير التقليدية.
وتابع أن هذا الأمر قد يدفع عددًا كبيرًا من الناقلات القديمة إلى ساحات التخريد اعتبارًا من عام 2027. خاصة أن كثيرًا منها سيحتاج إلى استثمارات كبيرة حتى يتمكن من العودة إلى السوق التقليدية.
طفرة بناء السفن تزيد الضغوط على الناقلات القديمة
ورأى التقرير أن الارتفاع القياسي في طلبيات بناء ناقلات النفط يمثل أحد أهم العوامل التي ستسرع وتيرة التخريد خلال السنوات المقبلة.
فخلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، جرى التعاقد على بناء 178 ناقلة نفط خام جديدة، منها 112 ناقلة عملاقة من فئة VLCC و63 ناقلة Suezmax. وهو رقم تجاوز إجمالي طلبيات عام 2025 بأكمله، والتي بلغت 152 ناقلة.
وبذلك ارتفعت نسبة دفتر الطلبيات إلى إجمالي الأسطول العالمي من 16% بنهاية عام 2025 إلى نحو 25 % بحلول مايو 2026. مع توقع دخول معظم هذه السفن الخدمة خلال عامي 2027 و2028.
وأوضح التقرير أن دخول هذا العدد الكبير من الناقلات الحديثة، التي تتمتع بكفاءة أعلى في استهلاك الوقود وتكاليف تشغيل أقل. سيؤدي إلى تراجع جاذبية السفن القديمة لدى المستأجرين، ويزيد الضغوط لإخراجها من الخدمة.
تراجع مرتقب في أجور النقل
وتوقع التقرير أن يحتفظ سوق ناقلات النفط الخام بمستويات قوية من الأرباح حتى نهاية عام 2026. مدعومًا بتحسن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز واستمرار عمليات إعادة تكوين المخزونات النفطية العالمية.
إلا أنه رجح أن تبدأ أسعار الشحن في التراجع خلال عام 2027 مع انحسار الاختناقات الحالية وعودة التوازن بين العرض والطلب. على أن تتزايد الضغوط بصورة أكبر في عام 2028 مع دخول أعداد كبيرة من السفن الجديدة إلى الخدمة، وهو ما سيدعم ارتفاع معدلات التخريد.
اللوائح البيئية تزيد الضغوط
وأشار التقرير إلى أن دخول إطار الحياد الكربوني للمنظمة البحرية الدولية (IMO Net-Zero Framework) حيز التنفيذ اعتبارًا من الأول من يناير 2028 سيشكل عامل ضغط إضافيًا على السفن القديمة.
وأوضح أن ارتفاع تكاليف الامتثال البيئي، إلى جانب تكاليف الفحوص الخاصة وأعمال الصيانة الدورية. سيجعل الاستثمار في تحديث العديد من الناقلات القديمة أقل جدوى اقتصاديًا مقارنة بإرسالها إلى ساحات إعادة التدوير.
موجة تخريد كبيرة تلوح في الأفق
وخلص تقرير دروري إلى أن العوامل التي ساهمت خلال السنوات الماضية في تأجيل تخريد ناقلات النفط. وفي مقدمتها ارتفاع أجور النقل والطلب على السفن القديمة في تجارة النفط الخاضعة للعقوبات. بدأت تفقد تأثيرها تدريجيًا، في الوقت الذي تتزايد فيه الضغوط الناتجة عن تقادم الأسطول. والتوسع في بناء السفن الجديدة، وتشديد المتطلبات البيئية.
وتوقع التقرير أن يظل نشاط التخريد محدودًا خلال عام 2026، قبل أن يبدأ في الارتفاع تدريجيًا خلال عام 2027. ليبلغ ذروته اعتبارًا من عام 2028.
ويتزامن دخول السفن الجديدة إلى الخدمة، وبدء تطبيق اللوائح البيئية الجديدة. واستمرار التحولات الجيوسياسية التي قد تقلص الاعتماد على أساطيل الظل في تجارة النفط العالمية.












