يدخل سوق ناقلات النفط عام 2026 وسط توقعات إيجابية، مدعومًا بتغير أنماط التجارة العالمية، وارتفاع متوسط مسافات الرحلات، واستمرار الطلب على النفط. إلى جانب محدودية نمو المعروض من السفن.
وقد ساهمت هذه العوامل في دفع الطلب على النقل البحري مقاسًا بالطن-ميل إلى مستويات مرتفعة. ما انعكس على أسعار النوالين التي تجاوزت متوسطاتها التاريخية بفارق كبير. بحسب أحدث تقرير لـ DNV، وهي واحدة من أهم وأكبر هيئات التصنيف البحري وإدارة المخاطر في العالم.
وبحلول نهاية عام 2025، كانت أسعار النوالين في سوق ناقلات النفط أعلى بأكثر من 60 % من متوسطها خلال السنوات العشر الماضية. بينما تجاوزت إيرادات ناقلات النفط الخام العملاقة جدًا VLCC حاجز 100 ألف دولار يوميًا في مؤشر على قوة السوق عبر مختلف القطاعات.
وقالت كاترين فيسترينغ؛ نائب الرئيس الأول والمدير العالمي لقطاع ناقلات النفط في DNV، إن زيادة مسافات الرحلات الناتجة عن العقوبات وإعادة ترتيب التدفقات التجارية أدت إلى تشديد المعروض ورفع الطلب على أساس الطن-ميل. ما دفع أسعار النوالين إلى مستويات أعلى بكثير من متوسطاتها التاريخية.
وأضافت أن استمرار مرونة الطلب على النفط، بالتزامن مع هذه التحولات، يخلق توقعات قوية. لكنها في الوقت نفسه معقدة، لسوق ناقلات النفط خلال الفترة المقبلة.
إعادة رسم خريطة تجارة النفط العالمية
ويمثل التغير في أنماط التجارة أحد أهم المحركات الحالية للسوق. فقد أدت العقوبات المفروضة على النفط الخام والمنتجات النفطية الروسية إلى إعادة توجيه تدفقات التجارة بعيدًا عن العديد من المسارات التقليدية القصيرة. ما أدى إلى زيادة المسافات التي تقطعها السفن.
وأوضحت “فيسترينغ” أن التحولات الجيوسياسية، ولا سيما زيادة واردات الصين والهند من الشرق الأوسط وحوض الأطلسي بدلًا من روسيا، أدت إلى زيادة كبيرة في أطوال الرحلات. علاوة على دفع الطلب على أساس الطن-ميل إلى مستويات قياسية.
ومع ارتفاع الطلب على السفن، تجاوز معدل استغلال الطاقة الاستيعابية للأسطول 90% بنهاية 2025. ما ساعد على دفع أسعار ناقلات VLCC وSuezmax إلى أكثر من 60 % فوق متوسطاتها خلال عشر سنوات.
الطلب الصيني والهندي يدعم السوق
وتزداد قوة سوق الناقلات مع استمرار الطلب العالمي على النفط الخام والمنتجات النفطية، بالتزامن مع انخفاض أسعار النفط نتيجة زيادة المعروض.
وتبرز الصين بصورة خاصة كمحرك رئيس للطلب البحري، بعدما أضافت أكثر من مليون برميل يوميًا من طاقة التكرير منذ 2020. مع توقعات بإضافة ما بين 1.3 و1.5 مليون برميل يوميًا أخرى قبل نهاية العقد.
وقال نيكولاي هانستين؛ أخصائي سوق ناقلات النفط ومدير تطوير الأعمال في DNV، إن الجزء الأكبر من واردات الصين يصل عبر البحر. ما يعزز الدور المحوري لناقلات النفط في منظومة إمدادات الطاقة العالمية.
كما أن توسع واردات الهند يدعم الطلب على أساس الطن-ميل ويحافظ على معدلات استخدام مرتفعة للأسطول. بما يوفر أساسًا قويًا للتوقعات قصيرة الأجل، رغم اتجاه القطاع على المدى الطويل نحو خفض الانبعاثات.
سوق قوية تفتح الباب أمام دورة جديدة لبناء السفن
وفي الوقت الذي استفاد فيه سوق الناقلات من ارتفاع أسعار النوالين، شهد نشاط بناء السفن الجديدة بعض التباطؤ بعد الطفرة التي سجلها في 2024.
وقد وصلت طلبات بناء ناقلات النفط الجديدة في 2024 إلى نحو 33 مليون طن إجمالي. وهو أعلى مستوى خلال العقد الماضي، قبل أن تتراجع إلى نحو 20 مليون طن إجمالي في 2025.
لكن قوة سوق الطن-ميل وارتفاع الإيرادات قد يمهدان الطريق أمام دورة جديدة من طلبات بناء ناقلات النفط، خصوصًا مع تقدم عمر الأسطول العالمي.
ويبلغ دفتر الطلبات الحالي نحو 17% من حجم الأسطول، وهو مستوى لا يكفي لتعويض السفن المتقادمة بالكامل، خاصة في قطاعي VLCC وSuezmax.
ويرى “هانستين” أن الحاجة إلى طاقة استيعابية إضافية قد تصبح العامل الرئيس وراء دورة البناء الجديدة. رغم استمرار ارتفاع أسعار السفن الجديدة.
ومع تحسن توافر مواعيد الحجز في أحواض بناء السفن الآسيوية، ولا سيما في الصين. من المتوقع أن يستمر نشاط الطلبات خلال 2026 وما بعده، مدفوعًا كذلك بارتفاع أسعار النوالين التي تجعل الاستثمار في السفن الجديدة أكثر جاذبية.
كفاءة استهلاك الوقود تتقدم على الوقود البديل
وفي ظل الضغوط المتزايدة لخفض الانبعاثات، يتبنى مالكو ناقلات النفط نهجًا عمليًا في تصميم السفن الجديدة. مع تركيز واضح على تحسين كفاءة استهلاك الطاقة بدلًا من الانتقال السريع إلى أنظمة دفع تعتمد على أنواع وقود بديلة مرتفعة التكلفة وغير واضحة العائد الاستثماري.
وقالت “فيسترينغ” إن الأولوية حاليًا هي للتقنيات التي تخفض استهلاك الوقود والانبعاثات دون التأثير على المرونة التشغيلية.
ويشمل ذلك استخدام تصميمات متطورة للمراوح، وطلاءات هياكل السفن المصنوعة من السيليكون. وأنظمة استعادة الحرارة المهدرة، ومولدات الأعمدة، ومحركات التردد المتغير.
كما بدأت وصلات الطاقة من الشاطئ في الانتشار على ناقلات المنتجات النفطية الأصغر بما يسمح بخفض الانبعاثات أثناء وجود السفن في الموانئ. بينما لا تزال أجهزة تنقية غازات العادم مستخدمة على نطاق واسع في السفن الأكبر، خاصة لخفض تكاليف الوقود.
أما تقنيات مثل الدفع بمساعدة الرياح، فلا تزال محدودة الانتشار نتيجة طول فترة استرداد الاستثمارات والتعقيدات التشغيلية المرتبطة بها.
وفي المقابل، ينظر المالكون إلى الوقود الحيوي باعتباره حلًا انتقاليًا أكثر عملية. إذ يمكن استخدامه مع تصميمات المحركات الحالية دون الحاجة إلى التحول الكامل إلى منظومات دفع جديدة.
تقادم الأسطول يضغط على المعروض
وفي الوقت نفسه، يزداد الاهتمام بعمر الأسطول العالمي، خصوصًا في ظل محدودية المعروض وارتفاع تكاليف بناء السفن الجديدة.
وكان المستأجرون يضعون عادة حدًا أقصى لعمر السفينة عند 20 عامًا. إلا أن ضغوط المعروض دفعت بعض قطاعات السوق إلى قبول سفن تصل أعمارها إلى 25 عامًا.
ولا تزال شركات النفط الكبرى أكثر تشددًا في هذا الجانب، من خلال تطبيق إجراءات صارمة للفحص والتقييم. بينما تبدو شركات التجارة أكثر مرونة في قبول السفن القديمة.
وتكشف بيانات نهاية 2025 عن تقدم واضح في عمر الأسطول؛ إذ تجاوز عمر 23% من ناقلات النفط 20 عامًا. بينما بلغ عمر 45 % منها 15 عامًا أو أكثر، مقارنة بنحو 36 % قبل عقد.
وفي قطاع ناقلات النفط الخام، تجاوز عمر نحو 40% من ناقلات VLCC وSuezmax 15 عامًا، بينما تتجاوز النسبة 45% في قطاع Aframax.
ويمثل ذلك تحديًا متزايدًا، لأن السفن الأقدم عادة ما تستهلك وقودًا أكثر وتنتج انبعاثات أعلى. كما تحتاج إلى تكاليف صيانة أكبر؛ ما يقلل جاذبيتها أمام المستأجرين وأصحاب البضائع الذين يولون اهتمامًا متزايدًا للأداء البيئي.
ارتفاع أسعار النوالين يؤجل تكهين السفن
ورغم هذه الضغوط، ساعدت الإيرادات المرتفعة على إبقاء عدد من السفن القديمة في الخدمة. خاصة مع ضعف أسعار إعادة تدوير السفن.
وتعتمد قرارات المالكين بشأن تكهين السفن بصورة كبيرة على الجدوى الاقتصادية. فطالما ظلت أسعار النوالين مرتفعة، يصبح من الصعب تبرير إخراج السفن القديمة من الخدمة.
لكن مع تراجع الإيرادات، قد تبدأ موجة أكبر من تكهين السفن. خاصة إذا أصبحت الكفاءة التشغيلية ومتطلبات خفض الانبعاثات عوامل أكثر تأثيرًا في قرارات المستأجرين.
ومن المرجح أن تظل بعض السفن القديمة في التخزين أو تعمل في التجارة المرتبطة بالعقوبات. بينما يتراجع دورها تدريجيًا داخل سوق الشحن العالمي المنظم.
أسطول الظل يضيف مخاطر للسلامة
وبالتوازي مع السوق الرئيسة، يمثل الأسطول الخاضع للعقوبات مصدر قلق متزايد للجهات التنظيمية وأطراف الصناعة.
وتعمل العديد من هذه السفن المرتبطة بتجارة النفط في روسيا وإيران وفنزويلا خارج أطر الامتثال التقليدية. وفي بعض الحالات دون مستويات التأمين أو الرقابة المعتادة، ما يزيد المخاطر المتعلقة بالسلامة والبيئة.
وتزداد خطورة الوضع مع تقدم عمر عدد كبير من هذه السفن إلى أكثر من 20 عامًا. ما يثير تساؤلات حول سلامتها الهيكلية وموثوقيتها التشغيلية.
وحذرت “فيسترينغ” من أن هذه السفن قد تعمل خارج نطاق عمليات الفحص المعتادة من جهات التصنيف والسلطات القانونية. مع مستويات محدودة من الصيانة والتأمين؛ ما يمثل خطرًا بصورة خاصة على أطقمها.
كما يكشف استمرار هذه السفن في العمل عن فجوة متزايدة بين السوق المنظمة التي تفرض معايير أكثر صرامة. والسوق غير المنظمة التي تستفيد من ارتفاع أسعار النوالين للحفاظ على السفن القديمة قيد التشغيل.
سوق واعدة لكن المخاطر لا تختفي
ومع تقدم عام 2026، تبدو أساسيات سوق ناقلات النفط قوية، بفضل ارتفاع أسعار النوالين. واستمرار الطلب على النفط، وزيادة مسافات الرحلات، ومحدودية نمو المعروض من السفن.
لكن هذه الفرص تأتي بالتوازي مع تحديات كبيرة، تشمل تقدم عمر الأسطول، وارتفاع تكاليف بناء السفن، وضغوط إزالة الكربون، وتشدد متطلبات المستأجرين. فضلًا عن المخاطر الجيوسياسية التي يمكن أن تعيد رسم تدفقات النفط العالمية بصورة مفاجئة.
وترى DNV أن قوة السوق الحالية لا تعني إمكانية تجاهل المخاطر. بل تتطلب من ملاك السفن والمشغلين تحقيق توازن بين الاستفادة من ارتفاع الإيرادات حاليًا والاستعداد للتحولات التنظيمية والجيوسياسية التي ستحدد شكل سوق ناقلات النفط خلال السنوات المقبلة.













