أظهرت أحدث بيانات المفوضية الأوروبية انخفاض انبعاثات الشحن البحري ضمن نظام تداول الانبعاثات الأوروبي بنسبة 1.3 % خلال عام 2025، مقارنة بعام 2024. ذلك في استمرار للاتجاه التنازلي المستقر للانبعاثات داخل القطاعات الخاضعة للنظام.
بيانات شاملة حتى مارس 2026
وتستند هذه النتائج إلى التقارير التي قدمتها الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حتى 31 مارس الماضي.
وتشمل المنشآت الصناعية الثابتة، وقطاع الطيران، إضافة إلى الشحن البحري الذي تم إدراجه حديثًا ضمن النظام.
وفيما يتعلق بالشحن البحري، يعمل نظام ETS كآلية لتسعير الكربون؛ حيث يُلزم ملاك السفن بشراء تصاريح مقابل انبعاثاتهم.
ويؤدي ذلك إلى رفع تكلفة استخدام الوقود التقليدي، كما يحفز التحول نحو وقود أنظف وتقنيات أكثر كفاءة. بحسب التقرير.
تراجع أولي في انبعاثات الشحن البحري
وأظهرت البيانات الأولية انخفاض انبعاثات القطاع البحري بنحو 3 %، في مؤشر على بدء تأثير إدماج الشحن ضمن سوق الكربون الأوروبية. رغم أن عملية الإبلاغ لا تزال جارية ولم تُستكمل بعد لجميع المشغلين.
ومنذ إطلاق النظام عام 2005، نجح في خفض الانبعاثات في القطاعات المشمولة إلى نحو النصف. مع استمرار التقدم نحو تحقيق هدف خفض الانبعاثات بنسبة 62% بحلول عام 2030. وفقًا للمفوضية الأوروبية.
ورغم المؤشرات الإيجابية، لا تزال البيانات النهائية لكل من قطاعي الطيران والشحن البحري قيد الاستكمال. ما يعني أن التقييم الكامل للاتجاهات سيعتمد على التقارير النهائية خلال الفترة المقبلة.
صافي انبعاثات صفرية بحلول 2050
لا يزال الجدل قائمًا حول إمكانية تحقيق صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050. في وقت تتواصل فيه الانبعاثات العالمية في الارتفاع.
وبينما تراجع الحماس الأولي تجاه الهيدروجين الأخضر لصالح تقييمات أكثر واقعية، برز اتجاه وسطي يؤكد أن قطاعات يصعب خفض انبعاثاتها لا يمكنها الوصول إلى الحياد الكربوني دون هذا الوقود.
وتكمن المشكلة الأساسية في أن توفر الهيدروجين لا يزال محدودًا، حيث ينتظر الطلب الإنتاج. بينما يتردد الإنتاج في غياب طلب مؤكد، ما يخلق حلقة مغلقة تعيق التقدم.
التكنولوجيا تتقدم.. والوقود يتأخر
في قطاع الشحن، سبقت الابتكارات التكنولوجية توفر الوقود، إذ تم تطوير سفن ثنائية الوقود قادرة على العمل بالوقود التقليدي أو البدائل مثل الأمونيا والميثانول، وبدأت بالفعل في دخول الخدمة.
ورغم تصميم هذه السفن لتحقيق أعلى كفاءة ممكنة، سواء باستخدام الوقود الأحفوري حاليًا أو الوقود النظيف مستقبلًا.
تكلفة هائلة وبنية تحتية معقدة
ويمثل إنتاج وقود الهيدروجين الأخضر تحديًا ضخمًا يتطلب استثمارات هائلة في الطاقة المتجددة، وتقنيات التحليل الكهربائي، والبنية التحتية للنقل والتخزين.
وأشارت التقديرات إلى أن قطاع الشحن وحده سيحتاج إلى ما بين 100 و150 مليون طن سنويًا من الهيدروجين بحلول 2050.
بينما قد تصل احتياجات القطاعات الأخرى إلى 600 مليون طن، باستثمارات إجمالية تُقدر بنحو 9 تريليونات دولار.
ويعني ذلك أن الشحن يحتاج بمفرده إلى تمويل يتراوح بين 2 و3 تريليونات دولار، وهو التزام يصعب على القطاع تحمله في ظل عدم وضوح الرؤية بشأن توقيت توفر الوقود.
حلقة معقدة تعرقل التحول
وتتداخل عدة عوامل تبقي هذا التحول معلقًا، أبرزها تنوع أنواع الوقود، وتحديات الجغرافيا، وصعوبة التمويل، وعدم وضوح الأطر التنظيمية، وضغوط الموانئ.
ويخلق هذا التداخل نظامًا مغلقًا يعزز نفسه، حيث يؤدي غياب وضوح أحد العناصر إلى تعطيل بقية المنظومة. ما يبطئ وتيرة التحول نحو الوقود النظيف.
تنوع الوقود يشتت الاستثمارات
في ظل غياب بديل واضح، يعتمد القطاع على مزيج من الوقود التقليدي والبدائل مثل الغاز الطبيعي والوقود الحيوي؛ ما يمنح مرونة مؤقتة. لكنه يشتت الاستثمارات ويؤخر التوسع في أي خيار رئيسي. على عكس ما حدث في قطاعات أخرى نجحت بفضل توحيد المعايير.
يرتبط إنتاج الهيدروجين بمواقع محددة ذات قدرات كبيرة. بينما يعتمد قطاع الشحن على شبكة عالمية واسعة تضم آلاف الموانئ.
ويجعل هذا التفاوت الانتقال إلى مراكز تزويد محدودة بالوقود تحديًا عمليًا قد يقيد حركة السفن ويؤثر على كفاءة العمليات.
التمويل والتنظيم.. معادلة معقدة
ويفرض الوقود النظيف نموذجًا اقتصاديًا مختلفًا قائمًا على استثمارات طويلة الأجل وتكاليف مرتفعة. في وقت لا تزال فيه القواعد التنظيمية العالمية غير مكتملة.
ورغم أن تسعير الكربون قد يخلق بيئة تنافسية عادلة، فإن تنفيذه يتطلب توافقًا دوليًا يصعب تحقيقه سريعًا.
تواجه الموانئ تحديات إضافية تتعلق بضغط الموارد والبنية التحتية. ما يجعلها مترددة في الاستثمار في أنظمة تزويد وقود جديدة دون وضوح في الطلب والإمدادات، وهو ما يعمق حالة الترقب في السوق.
التعاون بين القطاعات.. مفتاح الحل
ويرى الخبراء أن كسر هذه الحلقة يتطلب تنسيقًا أوسع بين القطاعات الصناعية المختلفة، بدلًا من تحرك كل قطاع بشكل منفرد.
ويمكن أن يخلق التعاون طلبًا أكبر، ويقلل المخاطر، ويسرّع تطوير البنية التحتية. بينما تؤدي المنافسة إلى إبطاء التقدم.
في الوقت الذي تتزايد فيه الشكوك حول استدامة الاعتماد على الوقود الأحفوري، بدأت دول كبرى في اتخاذ خطوات استباقية.
وعززت الصين موقعها عبر تطوير سلاسل الإمداد والطاقة المتجددة. بينما تركز دول مثل اليابان وكوريا وسنغافورة على بناء البنية التحتية. كما تسعى البرازيل إلى تطوير موانئها كمراكز لإنتاج وتصدير الهيدروجين.
عقد حاسم لمستقبل الطاقة
ويبقى تحقيق صافي انبعاثات صفرية بحلول 2050 رهين القرارات التي ستُتخذ خلال هذا العقد.
ولن يؤثر الاختيار بين الاستمرار في الوقود الأحفوري أو تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة فقط على الصناعة، بل سيحدد ملامح الاقتصاد العالمي ومستقبل الأجيال القادمة.












