التغيرات المناخية تهدد البضائع البحرية.. الخسائر تتفاقم مع ارتفاع حرارة المحيطات

البضائع البحرية

باتت خسائر البضائع البحرية المرتبطة بالحرارة والرطوبة والظروف الجوية القاسية أكثر شيوعًا في خطوط التجارة العالمية، مع ارتفاع حرارة المحيطات وتزايد عدم القدرة على التنبؤ بالأنماط الجوية.

ولم تعد التغيرات المناخية مجرد قضية خلفية، بل أصبحت تمثل تهديدًا مباشرًا لسلامة البضائع خلال النقل البحري، مما يفرض على مالكي البضائع ومشغلي السفن وشركات التأمين إعادة النظر في إدارة المخاطر لمنع المطالبات المكلفة.

وجاء ذلك بحسب أحدث تقرير لشركة Charles Taylor Adjusting، وهي شركة دولية متخصصة في خدمات تسوية المطالبات وتقييم الخسائر التأمينية، وتعد واحدة من أبرز الشركات في هذا المجال على مستوى العالم.

تأثير الحرارة والرطوبة على الشحن البحري

تشير التقديرات إلى أن درجات الحرارة العالمية ارتفعت بنحو 1.1 درجة مئوية منذ عام 1880. حيث سجل العقد الأخير أعلى درجات حرارة في التاريخ.

وقد امتصت المحيطات نحو 90 % من هذه الحرارة الزائدة. ما أثر على درجات حرارة سطح البحر وأنماط الرياح ومستويات الرطوبة في الهواء على طول خطوط الشحن الرئيسية.

وقال التقرير إن هذه التغيرات لها تأثيرات مباشرة على البضائع المنقولة بحرًا. فقد سجلت درجات حرارة داخل الحاويات المعدنية أحيانًا ما يزيد على 55 درجة مئوية في فترات الإشعاع الشمسي المكثف، حتى عندما تكون درجات حرارة الهواء المحيط أقل بكثير.

ويؤدي هذا التعرض إلى تسريع التأكسد، وتشوه البوليمرات، وتلف المواد الكيميائية والمواد الحيوية. كما أن موجات الحر البحرية الطويلة تزيد من مدة التعرض وتضاعف خطر حدوث أضرار دائمة للبضائع.

وتتشكل الرطوبة أيضًا كعامل معقد. حيث يحمل الهواء الدافئ مزيدًا من الرطوبة بنحو 7 % لكل درجة مئوية من الارتفاع.

كما تتكثف الرطوبة داخل الحاويات خلال الليل أو الرحلات الطويلة. مكونة قطرات على البضائع وجدران الحاوية. ما يؤدي إلى نمو العفن، والتآكل، وضعف التغليف والتلوث.

تأثر أنواع البضائع البحرية المختلفة

تتفاعل البضائع المختلفة مع الظروف البيئية بشكل متباين. فالأطعمة القابلة للتلف مثل اللحوم والمأكولات البحرية والأدوية تتدهور بسرعة عند تجاوز درجات الحرارة الحرجة.

بينما يمكن أن تتعطل الأجهزة الإلكترونية إذا ارتفعت درجة حرارتها، وقد تتسرب أو تتشقق المنتجات المعلبة والزجاجية، بحسب التقرير.

كما تتأثر المواد الكيميائية وتتغير خصائصها، وتطلق المواد العضوية والهايجروسكوبية مثل القهوة والذرة والخشب مزيدًا من الرطوبة. ما يزيد من احتمالات التلف الثانوي الناتج عن التكاثف.

ما تكشفه التحقيقات في المطالبات

توضح التحقيقات الأخيرة التي أجرتها شركة Charles Taylor Adjusting كيف تتحول هذه الظروف البيئية إلى خسائر فعلية.

فعلى سبيل المثال وفي حالة شحن لفائف ورق التصوير من جاكرتا إلى ماكاسار، وصل المنتج متغير اللون ومتضرر كيميائيًا، رغم أن التغليف كان سليمًا.

وأثبتت التحليلات أن درجات الحرارة داخل الحاوية تراوحت بين 30 و50 درجة مئوية نتيجة التعرض المباشر للإشعاع الشمسي، رغم أن الهواء المحيط كان أقل حرارة.

وفي حالة أخرى، تم إرسال مجموعات قضبان السقف المصنوعة من البولياميد من تايلاند إلى جاكرتا، وعند الوصول. توسعت المكونات بشكل غير مقبول بسبب امتصاص الرطوبة والحرارة أثناء النقل.

وتم رفض وإرجاع 390 مجموعة، مع اللجوء إلى الشحن الجوي العاجل لاستبدالها وضمان استمرار جداول الإنتاج.

تظهر هذه الحالات أن الأضرار المرتبطة بالمناخ يمكن أن تحدث حتى مع الالتزام بمعايير التعبئة والتغليف، مما يجعل البيئة نفسها عاملاً حاسمًا في أداء البضائع.

التكيف مع بيئة تشغيل أكثر تقلبًا

لا تؤثر تقلبات الطقس على الشحنات الفردية فقط، بل على العمليات البحرية والنظام اللوجستي بأكمله.

وتعتبر الظروف الجوية القاسية مسؤولة عن توقف العمليات وإغلاق الموانئ في بعض المناطق، وتؤدي أحيانًا إلى توقفات تستمر لأسابيع، خاصة في موانئ آسيا وأفريقيا.

ويزيد هذا من مدة الرحلات، ويضاعف الازدحام، ويرفع احتمالية تدهور البضائع أثناء انتظار السفن، بحسب التقرير.

استجابة لذلك، اعتمدت صناعة الشحن على أدوات التنبؤ الجوية اللحظية والتوجيه الجوي المتقدم لتجنب المناطق عالية المخاطر وتحسين تخطيط الرحلات.

كما استثمرت الموانئ في بنية تحتية أقوى، وتحسين أنظمة الصرف، وتحديث سلاسل التبريد لمقاومة الفيضانات والحرارة. وفي بعض الحالات، تم استخدام حلول طبيعية مثل إعادة زرع أشجار المانغروف لحماية السواحل والموانئ.

الاستثمارات وسبل الوقاية

يستثمر مالكو السفن في سفن أكثر متانة مع هياكل أقوى وأنظمة تثبيت محسنة. إلى جانب محركات موفرة للطاقة مصممة للعمل في ظروف أقسى مع تقليل الانبعاثات.

على المستوى التنظيمي، تواصل المنظمة البحرية الدولية (IMO) دفع الانتقال نحو الشحن منخفض الكربون من خلال معايير الكفاءة وآليات تسعير الكربون. مع تحديد أهداف طويلة الأجل لتقليل الانبعاثات.

أما شركات التأمين ومالكو البضائع، فأصبح الوقاية جزءًا أساسيًا من استراتيجياتهم. حيث تساعد بعض التدابير إلى تقليل المخاطر بشكل كبير.

ومن هذه التدابير تكييف البضائع قبل الشحن، واستخدام الحاويات المعزولة أو المبردة، والتحكم بالرطوبة باستخدام مواد ماصة، والمراقبة الدقيقة لمسار الرحلة.

المناخ جزء من اللوجستيات اليومية

أصبح تغير المناخ جزءًا من العمليات اللوجستية اليومية، ومع أن التحديات كبيرة، فإن العديد من المخاطر المرتبطة بالحرارة والرطوبة يمكن إدارتها من خلال التحضير المسبق وفهم سلوك البضائع تحت الظروف البيئية المتغيرة.

تظل الوقاية والاستعداد الفعال الوسيلة الأكثر نجاحًا لحماية البضائع والحد من المطالبات والخسائر، في ظل مناخ أصبح أكثر تقلبًا، وفقًا للتقرير.