مجدي صادق يكتب: لماذا جرينلاند؟!

جرينلاند

هل كان كاتبنا المصري الراحل الساخر محمد جلال يتنبأ بما أقدم عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتهديد باحتلال أو شراء جزيرة جرينلاند.

وقدم في 2021 رواية حملت اسم «لا أحد ينام في جرينلاند»، التي دارت أحداثها في قالب من الخيال العلمي والغموض. حيث تناول الكاتب فكرة وجود «عالم موازٍ» أو خفايا تتعلق بجزيرة جرينلاند.

ويبدو أن العالم الخفي الموازي هو الصين التي تستخدم في صمت قوتها الناعمة للتمدد الإستراتيجي في دول العالم (40 ميناء ما بين استثمارات وغيرها). وروسيا التي تعرف الأهمية الإستراتيجية للجزيرة سواء من خلال «Polar Code»، أي «القطبية»، عبر بحر الشمال. والبحث عن طريق بديل لقناة السويس، ومراقبة الولايات المتحدة عن قرب. وتحقيق «حلم بوتين» في امتلاك القطب الشمالي.

أسطورة المدينة المفقودة تحت الجليد

وهناك أسطورة أمريكية تسمى «المدينة المفقودة تحت الجليد» (مشروع آيس وورم) أو (الدودة الثلجية)، فهذه ليست أسطورة بالمعنى المتعارف عليه. بل «حقيقة سرية» تحولت إلى أسطورة سياسية في أمريكا.

إذ إنه في الخمسينيات بنت الولايات المتحدة قاعدة «كامب سنتشري». وهي مدينة كاملة تحت الجليد تضم مفاعلًا نوويًا ومختبرات وسينما.

وكان الهدف الحقيقي من الخطة السرية لـ(مشروع آيس وورم) أو الدودة الثلجية هو نشر 600 صاروخ نووي تحت الجليد لتكون قريبة من الاتحاد السوفيتي وقتها قبل أن «يتمزق» على يد جورباتشوف.

ويعتقد البعض أن هناك أجزاءً من هذه القاعدة لا تزال تعمل في الخفاء. أو أنها تحتوي على «تكنولوجيا فضائية» أو تجارب بيولوجية مهجورة ستظهر للنور مع ذوبان الجليد بسبب الاحتباس الحراري.

هوس شراء جرينلاند

هذا وقد تحول هوس شراء أمريكا لجرينلاند إلى ما يشبه تلك «الأسطورة السياسية». فمنذ عهد الرئيس أندرو جونسون (1867)، مرورًا بهاري ترومان (1946)، وصولًا إلى دونالد ترامب (2019).

هذا التكرار خلق أسطورة في «جينات» الوعي الأمريكي مفادها أن جرينلاند هي «الولاية المفقودة» أو «أرض الكنوز المنسية» التي ستجعل من يملكها سيدًا على العالم الجديد (بسبب المعادن النادرة والممرات البحرية والأمن القومي).

ألا يجعل هذا من إصرار ترامب، بين الفينة والأخرى، على امتلاك أو الاستحواذ على جرينلاند في ظل حالة تصعيد مع الصين وروسيا. التي تدفع بالاتحاد الأوروبي والناتو للمواجهة؟!

جرينلاند

منطقة إستراتيجية شديدة الخصوصية

أصبحت جرينلاند (التابعة لمملكة الدنمارك) والمياه المحيطة بها الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأمريكية لهاتين القوتين (الصين وروسيا). حيث تعد منطقة مراقبة إستراتيجية شديدة الخصوصية في عامي 2025 و 2026، بعد أن أصبحت «مغطاة بالسفن الروسية والصينية» على حد قول الرئيس الأمريكي.

إذ وجد فيها بوتين الطريق البحري عبر القطب الشمالي الذي يمر قبالة جرينلاند، وهو الممر الوحيد الآمن لتحريك أسطوله ويخوتِه الفاخرة مثل جريسفول، بعد أن تم الاستيلاء على قصره العائم يخت شهرزاد في ظل العقوبات الأمريكية والأوروبية، ليقبع في إيطاليا. وهذه الجزيرة بعيدة عن أعين الرقابة الأوروبية التقليدية في مضيق جبل طارق أو بحر المانش، ومنسية من قبل البيت الأبيض.

ولأنها البوابة الغربية لبوتين. حيث طريق بحر الشمال مع ذوبان الجليد، والذي تسعى روسيا للسيطرة على هذا الطريق (حلم بوتين). وهو الذي يربط دول آسيا بأوروبا عبر القطب الشمالي ليكون (بديلًا لقناة السويس) و(أسرع بكثير).

خنق الحلم الروسي

فمع وجود أي نفوذ أمريكي في جرينلاند يعني «خنق» الحلم الروسي وطموحه في التجسس والسيطرة والحصول على الثروات تحت الجليد، وحلم «Polar Code»!

فالجزيرة تحتوي على مخزون هائل من المعادن النادرة التي تستخدم في تقنيات صناعة البطاريات والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة. كما أن هناك مخزونًا من النفط والغاز تقدر بمليارات البراميل، يعتبرها بوتين «إرثًا» له. إذ يرى أنه «ملك القطب الشمالي» لا ينازعه أحد، ويرى في أي تحرك تجاه جرينلاند تهديدًا لتطلعات الطموح الروسي وسيطرته على تلك الموارد.

كما أن الربط باليخوت وسفن التجسس في مرحلة التصعيد الأمريكي الأوروبي ضد روسيا بسبب عدم الامتثال لاتفاق السلام مع أوكرانيا. مع بدايات عام 2026.

ورصدت تقارير استخباراتية سفنًا روسية (مثل سفينة التجسس بالتار، وبعض اليخوت المرتبطة بالكرملين، وآخرهم يخت بوتين الحربي فويفودا، الذي يعد أفخم وأحدث يخوت بوتين، وكأنه بارجة عسكرية).

ومن المؤكد أن هذه السفن لم تأتِ للتنزه تحت الصقيع القارس. وإنما تقوم بنشاطات مريبة في شمال الأطلسي بالقرب من جرينلاند.

بل وتقوم بعمل خرائط لكابلات الإنترنت الموجودة تحت البحر، وهي كابلات حيوية تربط أمريكا بأوروبا، ومحاولات تخريبها أو التجسس عليها، مثلما كاد أن يحدث في فنلندا والسويد، وهما إحدى دول القطب الشمالي، من سفن صينية وأخرى روسية.

حوادث في بحر البلطيق

هذه المرة حادثتان رئيسيتان تتعلقان بسفن صينية وقطع كابلات أو أنابيب في منطقة بحر البلطيق (قرب فنلندا)، ومنه حادث السفينة (يي بنغ 3) نوفمبر 2024.

وتعد هذه الواقعة هي الأحدث والأكثر إثارة للجدل. حيث اشتبهت السلطات في أن هذه السفينة الصينية قامت بجر مرساتها لمسافة طويلة. ما أدى لقطع كابلات حيوية.

وهناك العديد من السفن الصينية التي اعترفت بها بكين واعتبرتها مجرد حادث عرضي. وهو ما حدث مع السفينة الروسية إيغل إس كيو ديسمبر 2024 لقطع كابلات الإنترنت و(ربما التجسس)!

باختصار، نستطيع أن نقول إن جرينلاند هي بمثابة خط أحمر لكلا الدولتين الغريمتين لترامب. فبالنسبة لبوتين ليست مجرد جزيرة جليدية، بل هي خط الدفاع الأول عن «طموحات بوتين القطبية».

وهي الحديقة الغنّاء التي يراقب فيها تحركات الناتو وأمريكا عن قرب، لضمان بقاء أسطوله السري، أو ما يسمى بأسطول الظل، في مأمن بعيدًا عن أعين «ترامب».

الصين وطريق الحرير القطبي

بينما تعتبر الصين جرينلاند حلقة وصل حيوية في مشروعها الاستيطاني الضخم المعروف باسم «طريق الحرير القطبي». ضمن مبادرة «الحزام والطريق» (بي آر آي).

والجزيرة جزء من إستراتيجية أكبر تعرف بـ«طريق الحرير القطبي». بالرغم من أن جرينلاند تتبع سياديًا للدنمارك. إلا أنها تتمتع بحكم ذاتي واسع.

وهي ليست عضوًا رسميًا «موقعًا» على اتفاقية الحزام والطريق على غرار بعض الدول الإفريقية. إلا أن الإستراتيجية الصينية تتعامل معها كجزء لا يتجزأ من امتداد هذا الطريق نحو الشمال.

وبعد أن أصبحت الجزيرة بؤرة اهتمام الصين لعدة أسباب إستراتيجية واقتصادية ومناخية أخرى ضمن مخططات السياسة الصينية.

ففي عام 2018 أصدرت الصين «كتابًا أبيض» حول سياسة القطب الشمالي، أعلنت فيه عن نيتها بناء «طريق حرير قطبي» عبر استغلال ممرات الملاحة التي بدأت تفتح نتيجة ذوبان الجليد.

إذ إن الشحن عبر القطب الشمالي يقلص المسافة بين شرق آسيا وأوروبا بنسبة تصل إلى 30–40 % مقارنة بطريق قناة السويس، رغم أنه طريق كثير المخاطر.

وجرينلاند تقع في قلب هذا المسار الجديد. ما يجعلها «محطة ترانزيت» أو نقطة ارتكاز لوجستية إستراتيجية لن يكتمل الطريق إلا عبرها.

المحاور الثلاث للصين

وتركز الصين على ثلاثة محاور رئيسية في الجزيرة، منها الثروات المعدنية. إذ تحتوي الجزيرة على احتياطات ضخمة من العناصر الأرضية النادرة واليورانيوم والحديد والنحاس.

وتسعى الصين لتأمين سلاسل الإمداد والتوريد لهذه المعادن الضرورية لصناعة التكنولوجيا والطاقات المتجددة.

رغم أنه مع وجود حكومة جديدة في الجزيرة عارضت تعدين اليورانيوم. ما أدى إلى توقف مشروع «كوانفيلد» الضخم الذي كانت تشارك فيه شركة صينية.

بينما حاولت شركات صينية (مثل شينغي ريسورسز) الاستثمار في مناجم كبرى بجرينلاند (مثل كفاني فيلد).

لكن الحكومة المحلية والدنمارك، وبضغوط أمريكية شديدة، جمدت الكثير من هذه المشاريع بسبب اليورانيوم ومخاوف أمنية أخرى.

وبالقطع ترفض الصين الاتهامات الأمريكية بأن استثماراتها هي الغطاء للسيطرة العسكرية. وتؤكد أن نشاطها هو في إطار العنوان العريض «التنمية المستدامة».

وتؤكد أن مزاعم واشنطن ضد الصين ذريعة لتحقيق مطامع ترامب الاستعمارية. وأن القطب الشمالي يجب أن يظل منطقة للتعاون الدولي وليس للصراع العسكري.

في حين أنه على مدار السنوات الماضية حاولت الصين الفوز بعقود بناء مطارات. منها عسكرية وأخرى مدنية، في جرينلاند، وتمويل معاهد ومراكز أبحاث (وما أدراكم بمراكز الأبحاث، فالكثير منها تعمل أذرعًا لأجهزة استخباراتية).

لكن في كل مرة تقف «الغوريلا الأمريكية» في مواجهة «التنين الصيني» لإقصاء الشركات الصينية خوفًا من استخدام هذه المطارات لأغراض عسكرية مستقبلاً. خاصة أن هناك قاعدة (ثول) الأمريكية.

فوجود الصين بالقرب من أهم قاعدة فضائية ورادارية أمريكية للإنذار المبكر من الصواريخ النووية. هو ما تعتبره واشنطن كابوسًا أمنيًا.

يبقى أن نقول إن هناك فرقًا كبيرًا بين ما تفعله سواء الدب الروسي والتنين الصيني. وما تفعله الغوريلا الأمريكية صاحبة الصوت الزاعق؟!

رموز حيوانية في عالم الجيوسياسية

إذ إنه في ذات الفكر الجيوسياسي والإستراتيجي يشبه المحللون القوى العظمى الثلاث برموز حيوانية تعكس «جيناتها» و«الدي إن إيه» لسلوكها الإستراتيجي. فيما يسمى بالميتافيزيقيا السياسية.

فالتنين الصيني يمثل (الصبر والحصار الناعم)، فترى أن الصين تعتمد إستراتيجية «الالتفاف». وهي لا تريد صدامًا مباشرًا يحطم اقتصادها.

بل تسعى لإضعاف الهيمنة الأمريكية من الداخل عبر «الاعتماد المتبادل بالقوة الناعمة»، والاقتصاد والتكنولوجيا الصينية هما الوسيلتان. حيث شراء الموانئ وبناء الكابلات البحرية (كما رأينا في بحر البلطيق).

والتنين يتحرك ببطء وهدوء، يبتلع الأسواق، يسيطر على سلاسل التوريد (المعادن النادرة)، ويجعل العالم غير قادر على العيش.

وهدف الصين الجيوسياسي ضمن مخططها إزاحة أمريكا عن عرش «القطب الواحد» لتصبح مجرد قوة إقليمية. بينما تقود الصين «النظام العالمي الجديد» عبر القوة الناعمة والديون.

أما الدب الروسي، الذي يعتمد «المواجهة الخشنة»، فعلى عكس الصين يتبع الدب الروسي إستراتيجية «الصدمة وسياسة الارتباك».

فروسيا تدرك أنها أضعف اقتصاديًا، لذا تستخدم قوتها العسكرية الفائضة وقدرتها على إحداث الفوضى وحالة «الارتباك» الحادثة الآن في العالم.

الدب لا يمانع في كسر القواعد الدولية علانية (كما في أوكرانيا أو عسكرة القطب الشمالي). وهو يهاجم «نقاط الألم» الأمريكية.

ويسعى لتمزيق التحالفات الغربية (مثل الناتو) عبر التخويف أو دعم التيارات السياسية المعارضة داخل أوروبا وأمريكا، وإثارة النعرات الفوضوية.

أما الغوريلا الأمريكية، التي تمثل القوة الكاسحة، وفي ذات الوقت سياسة الاحتواء والاستحواذ. إذ يواجه اليوم هذا «الماتادور الأمريكي» القابع في البيت الأبيض مصارعة حاسمة مع كلا التنين والدب في آنٍ واحد، في حلبة جرينلاند.