ميثانول الشحن البحري بين الجاهزية التقنية والتحدي الاقتصادي

الميثانول

يبرز الميثانول كأحد أكثر الخيارات واقعية، ليس فقط بسبب خصائصه البيئية، بل أيضًا لما يمتلكه من قاعدة تقنية وتجارية مقارنة بوقودات بديلة أخرى لا تزال في مراحلها الأولى.

في خضم السباق العالمي لإعادة تزويد قطاع الشحن البحري ببدائل أنظف لزيت الوقود الثقيل، بحسب أحدث تقارير بورصة البلطيق للشحن الجاف.

أكد ماريوس لايسنر، المستشار الرئيسي في وحدة الاستشارات البيئية بشركة DNV، أن الميثانول يتمتع بسجل تشغيلي يمتد لعشر سنوات كوقود بحري، وهو ما يمنحه ميزة واضحة من حيث الثقة والاستقرار مقارنة بخيارات مثل الأمونيا أو الهيدروجين.

وأضاف أن هذا التاريخ العملي أسهم في نضج تصميمات السفن وإستراتيجيات دمج أنظمة الوقود. خاصة مع الزيادة الكبيرة في عدد السفن القادرة على العمل بالميثانول ضمن دفاتر الطلبيات العالمية.

سهولة التداول والسلامة التشغيلية

أحد العوامل الأساسية وراء تنامي الاهتمام بالميثانول يتمثل في سهولة التعامل معه، وفقًا لما ورد في التقرير.

ففي عالم تواجه فيه الوقودات الغازية تحديات كبيرة تتعلق بالسلامة واللوجستيات، يشكل الميثانول. بصفته وقودًا سائلًا، خيارًا أكثر بساطة وأمانًا في التخزين والنقل والتزويد بالوقود.

ويرى لايسنر أن هذه الخاصية تمنح الميثانول أفضلية واضحة على وقودات مثل الغاز الطبيعي المسال والأمونيا والهيدروجين، بحسب التقرير.

إلى جانب ذلك، يتمتع الميثانول بكثافة طاقية حجمية تنافسية. إذ تأتي قريبة من الأمونيا وأعلى من الهيدروجين، ما يعزز جاذبيته كوقود انتقالي قابل للتطبيق على نطاق واسع.

الامتثال البيئي قبل خفض الكربون

تاريخيًا، لم يكن اعتماد الميثانول مدفوعًا في المقام الأول بخفض انبعاثات غازات الدفيئة. بل بالامتثال للمتطلبات البيئية المحلية الصارمة، خاصة فيما يتعلق بالكبريت وأكاسيد النيتروجين.

وأشار التقرير إلى أن الوقود خالٍ من الكبريت ويتوافق بالكامل مع متطلبات الملحق السادس من اتفاقية ماربول الخاصة بانبعاثات SOx. كما ينتج كميات ضئيلة جدًا من السخام والجسيمات الدقيقة عند الاحتراق.

إلا أن هذه المزايا لا تعني أن الميثانول التقليدي يشكل حلًا كاملًا لأزمة الكربون. إذ إن إنتاجه من مصادر أحفورية يؤدي إلى بصمة كربونية إجمالية من المنبع إلى الاستخدام تفوق في بعض الحالات زيت الوقود البحري.

الفرصة الحقيقية

تكمن القيمة البيئية الحقيقية للميثانول في التحول نحو النوع الحيوي أو الإلكتروني، اللذين يمكن إنتاجهما من مصادر غير أحفورية مع انبعاثات شبه معدومة على امتداد دورة الحياة.

ورغم هذه الإمكانات، يشير لايسنر إلى فجوة واضحة بين القدرة التقنية والتطبيق الفعلي. حيث لا تزال غالبية السفن القادرة على استخدامه تعمل إما بزيت الوقود أو بالميثانول الأحفوري، مع استخدام محدود للغاية للنوع منخفض الانبعاثات.

تمثل الإتاحة المحدودة لهذا النوع من الوقود عنق الزجاجة الرئيسي في مسار التحول. فعلى الرغم من أن الطاقة الإنتاجية العالمية للميثانول الأخضر تبلغ حاليًا نحو 2.2 مليون طن سنويًا، 98 % منها من النوع الحيوي، فإن كميات التزويد الفعلية منذ عام 2023 ظلت أقل بكثير من هذا المستوى.

ومع ذلك، تلوح في الأفق مؤشرات إيجابية، إذ من المتوقع أن ترتفع الطاقة الإنتاجية إلى نحو 14 مليون طن بحلول 2030. مدفوعة بشكل أساسي بمشروعات في الصين.

بنية تحتية جاهزة وسعر غير مشجع

على صعيد البنية التحتية، يتمتع الميثانول بأفضلية واضحة، فهو أحد أكثر المواد الكيميائية تداولًا عالميًا. مع توافر مرافق تخزين في أكثر من 115 ميناء حول العالم. كما بدأ أسطول سفن تزويد الميثانول بالظهور، مع تشغيل 12 سفينة حاليًا ووجود ست سفن إضافية تحت الطلب.

لكن رغم هذا الاستعداد اللوجستي، يظل العامل الحاسم هو التكلفة. ففي عام 2025. سجلت أسعار الميثانول الحيوي في روتردام نحو ثلاثة أضعاف تكلفة زيت الغاز البحري. ما يخلق فجوة اقتصادية كبيرة تعيق الانتشار الواسع.

تحديات الميثانول الإلكتروني

تواجه مسارات إنتاج الميثانول الإلكتروني تحديات أكبر، إذ لا تمثل حاليًا سوى نحو 2% من إجمالي إنتاج الميثانول الأخضر. ويرجع ذلك إلى صعوبة المنافسة السعرية، إضافة إلى انخفاض كفاءة تحويل الكهرباء المتجددة إلى وقود سائل. وهي معضلة تقنية مشتركة بين جميع الوقودات الإلكترونية.

ورغم ذلك، فإن جزءًا كبيرًا من المشروعات المستقبلية يركز على هذا النوع من الميثانول، نظرًا لقدرته على الاقتراب من انبعاثات صفرية. وهو ما قد يبرر تكلفته المرتفعة في ظل تشديد الأطر التنظيمية مستقبلًا.

التنظيم.. العامل الفاصل

لسد الفجوة الاقتصادية، تتجه الأنظار إلى الجهات التنظيمية لتوفير الحوافز أو الضغوط اللازمة. وتشير نماذج DNV إلى أنه من دون تدخل قوي. ستستمر السفن القادرة على استخدام الميثانول في حرق الوقود الأحفوري حفاظًا على جدواها التجارية.

وأوضح لايسنر أن التوسع الحقيقي يتطلب إشارات طلب أقوى وأكثر استدامة، مثل اتفاقيات شراء طويلة الأجل بأسعار وكميات محددة، تمنح المنتجين الثقة للاستثمار.

حاليًا، يوفر إطار FuelEU Maritime إشارة طلب محدودة، مع توقعات بوصول استهلاك الميثانول إلى ما بين 5 و12 مليون طن بحلول 2040. بينما يقدم إطار المنظمة البحرية الدولية للوصول إلى الحياد الكربوني مسارًا أكثر طموحًا، قد يرفع الاستهلاك إلى 20–50 مليون طن.

غير أن تأجيل تطبيق إطار المنظمة البحرية الدولية أثار إحباطًا واسعًا في القطاع. إذ كان من شأن قرار حاسم أن يوفر وضوحًا أكبر للاستثمارات المستقبلية.

مستقبل معلق بين الجاهزية والاقتصاد

من الناحية التقنية، يبدو قطاع الشحن مستعدًا إلى حد كبير، مع امتلاك شركات مثل وارتسيلا وMAN مئات الآلاف من ساعات التشغيل على أنظمة الميثانول. ووجود نحو 370 سفينة قادرة على استخدامه ضمن دفاتر الطلبيات العالمية.

يبقى التحدي الحقيقي في إيجاد الجسر الاقتصادي الذي يسمح لمشغلي السفن باختيار الوقود الأخضر دون التضحية بقدرتهم التنافسية.

وكما يختتم لايسنر، فإن نجاح التحول يعتمد في النهاية على مدى استخدام هذه القدرة التشغيلية في استهلاك الميثانول منخفض الانبعاثات بدلًا من الوقود الأحفوري. إلى أن يصل سعر الكربون أو الحوافز البيئية إلى نقطة التحول الحاسمة.