“بيمكو”: عبور قناة السويس لا يزال دون مستوياته الطبيعية

قناة السويس
قناة السويس

بعد مرور 100 يوم على آخر هجوم نفذه الحوثيون ضد سفن الشحن في البحر الأحمر، لا تزال حركة العبور عبر قناة السويس بعيدة عن التعافي الكامل؛ إذ تسجل انخفاضًا حادًا مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة.

ويؤكد محللو الشحن، بحسب أحدث تقرير لمنظمة “بيمكو”، وهي واحدة من أكبر جمعيات الشحن في العالم، أن توقف الهجمات وحده لم يكن كافيًا لإقناع شركات الملاحة بالعودة السريعة إلى المسار التقليدي عبر القناة.

وأشار نيلز راسموسن؛ كبير محللي الشحن في BIMCO، إلى أن سفينة Minervagracht كانت آخر سفينة تتعرض لهجوم في 29 سبتمبر الماضي، قبل أن يعلن الحوثيون بعد 43 يومًا وقف هجماتهم على السفن.

ورغم ذلك، لم ينعكس هذا التطور إيجابًا على حركة العبور؛ إذ ظل المرور عبر قناة السويس خلال الأسبوع الأول من عام 2026 أقل بنحو 60 %. ذلك مقارنة بالفترة نفسها من عام 2023، أي قبل بدء تحول السفن للإبحار حول رأس الرجاء الصالح.

الهجمات لم تبدأ التراجع الحاد فورًا

ووفقًا لبيانات “Lloyd’s List”، التي نقلها التقرير، تعرضت السفن لهجمات أو محاولات اختطاف من قبل الحوثيين 99 مرة منذ نوفمبر 2023.

وعلى الرغم من تسجيل 15 هجومًا خلال شهري نوفمبر وديسمبر من ذلك العام؛ فإن الانخفاض الحاد في عبور قناة السويس لم يظهر بوضوح إلا اعتبارًا من يناير 2024.

ومنذ ذلك الحين، شهدت السعات العابرة للقناة، مقاسة بالطن الساكن، تراجعًا تراوح بين 51 % و64 % مقارنة بعام 2023 عند القياس على أساس فصلي. ما يعكس حجم التحول الهيكلي في أنماط الملاحة العالمية بعيدًا عن القناة.

2025 عام الاستقرار النسبي عند مستويات منخفضة

خلال عام 2025، استمر عبور قناة السويس عند مستويات منخفضة بشكل ملحوظ. حيث تراوح الانخفاض في إجمالي الحمولة الساكنة العابرة للقناة بين 57 % و64 % مقارنة بعام 2023.

وأوضح “راسموسن” أن هذا التراجع شمل معظم أنواع السفن، وإن كان بدرجات متفاوتة، بحسب التقرير.

وفي الربع من 2025، انخفض عبور سفن الصب بنسبة 55 %. بينما تراجع عبور سفن الحاويات بنسبة حادة بلغت 86 % مقارنة بعام 2023.

أما ناقلات النفط الخام، فقد سجلت انخفاضًا أقل نسبيًا بلغ 32 %. في حين كانت ناقلات المنتجات النفطية الأقل تأثرًا بتراجع لم يتجاوز 19 %.

ناقلات المنتجات النفطية تستفيد من ارتفاع العوائد

وعلى عكس معظم القطاعات الأخرى، أظهرت ناقلات المنتجات النفطية قدرة أكبر على العودة التدريجية إلى قناة السويس خلال 2025.

وأرجع التقرير ذلك إلى تحسن عوائد الشحن وارتفاع علاوات الأسعار. ما شجع عددًا متزايدًا من هذه السفن على استخدام القناة بدلًا من الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح.

ونتيجة لذلك، تقلص حجم الانخفاض في عبور ناقلات المنتجات النفطية خلال الربع الرابع من 2025 إلى نحو 19 % فقط مقارنة بعام 2023، بعد أن كان الانخفاض قد بلغ 45 % خلال عام 2024. ما يشير إلى مرونة نسبية في هذا القطاع.

سفن الحاويات.. الغياب الأكبر وبوادر عودة حذرة

منذ بدء الهجمات في البحر الأحمر، كادت جميع سفن الحاويات تتجنب العبور عبر قناة السويس بشكل كامل. غير أن الفترة الأخيرة شهدت بعض المؤشرات المحدودة على تغيير هذا التوجه.

وقد أعلنت شركة “CMA CGM” أن خدمتي “MEDEX وINDAMEX” ستعودان إلى مسارات قناة السويس اعتبارًا من يناير 2026. في خطوة تعد من أوائل الإشارات الواضحة إلى استعداد بعض الخطوط الملاحية الكبرى لإعادة تقييم المخاطر.

وفي السياق ذاته، عبرت سفينة “Maersk Sebarok” قناة السويس في 19 ديسمبر 2025، لتصبح أول سفينة تابعة لشركة ميرسك تستخدم القناة منذ أوائل عام 2024.

ورغم أن الشركة لم تعلن عن عبورات إضافية، فإنها أوضحت أنها تدرس استئنافًا تدريجيًا للملاحة عبر محور الشرق–الغرب. شريطة استمرار استيفاء معايير الأمن والسلامة.

انخفاض أقساط مخاطر الحرب يعيد الحسابات

وتعد سلامة الطواقم والسفن والبضائع العامل الحاسم في قرارات شركات الشحن. إلا أن التطورات الأخيرة في سوق التأمين قد تلعب دورًا داعمًا لعودة تدريجية إلى قناة السويس.

وقد أفادت “S&P Global” في أوائل ديسمبر بأن أقساط مخاطر الحرب في البحر الأحمر انخفضت إلى نحو 0.2 % من قيمة هيكل السفينة. وهو أدنى مستوى منذ نوفمبر 2023، مقارنة بنسبة 0.5 % سادت قبل وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس.

ويعتبر هذا التراجع في تكاليف التأمين عنصرًا مشجعًا، وإن لم يكن كافيًا بمفرده، لدفع شركات الشحن إلى تغيير استراتيجياتها التشغيلية بسرعة.

عودة محتملة… لكن بتكلفة على سوق السفن

ويختتم “راسموسن” تحليله بالتأكيد على أن احتمالات عودة عبور السفن عبر قناة السويس إلى وضعه الطبيعي أصبحت اليوم أعلى مما كانت عليه في أي وقت خلال العامين الماضيين. إلا أن توقيت هذه العودة وسرعتها لا يزالان غير واضحين.

ونوه إلى أن العودة الكاملة ستؤدي إلى خفض كبير في تكاليف التشغيل لشركات الشحن. لكنها في المقابل ستؤثر سلبًا على الطلب على السفن.

وأشارت التقديرات إلى أن استئناف العبور الطبيعي قد يخفض الطلب على سفن الحاويات بنحو 10 %. بينما قد تتراوح نسبة الانخفاض في القطاعات الأخرى بين 2 % و3 %.