شهد عام 2025 تقدمًا متسارعًا في حجم الاستثمارات العربية الموجهة إلى قطاع الموانئ، والبنى التحتية اللوجستية بالقارة الإفريقية، وهي الخطوة التي تعد جزءًا من استراتيجية أوسع للدول المؤثرة.
وتأتي في مقدمة هذه الدول السعودية، والإمارات، وذلك للارتقاء بنفوذها الاقتصادي، وتأمين طرق التجارة الحيوية، ودعم تطوير البنية الأساسية لقارة تعد من أسرع الأسواق نموًا في العالم.
وقد عزز الموقع الجغرافي الفريد لإفريقيا على خطوط الملاحة الدولية. ولا سيما بالقرب من باب المندب وقناة السويس، مكانتها كمسرح رئيس للتنافس الدولي والإقليمي على ضخ رؤوس الأموال والخبرات في إدارة وتشغيل الموانئ.
الاستثمارات السعودية في إفريقيا
تواصل المملكة، من خلال الهيئة العامة للموانئ، وصندوق الاستثمارات العامة، ترسيخ حضورها في القارة الإفريقية. خصوصًا في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، انسجامًا مع مستهدفات رؤية 2030 الرامية إلى تعزيز موقعها كمركز لوجستي عالمي.
وانصبت الجهود الاستثمارية السعودية، خلال عام 2025 على تطوير عدد من الموانئ المحورية في دول مثل السودان ومصر وإريتريا.
وشملت أهم المشروعات تطوير ميناء بورتسودان، بتنفيذ توسعات وتحديثات رئيسة للبنية التحتية للميناء.
ويهدف ذلك إلى تعزيز قدرته الاستيعابية، ورفع كفاءة مناولة الحاويات. إلى جانب تحويله إلى بوابة محورية للتجارة بين المملكة وإفريقيا.
الشراكة في البحر الأحمر
وأعلن إطلاق شراكات استراتيجية بين موانئ وشركات إفريقية متخصصة لإدارة وتشغيل محطات حاويات حديثة، تعتمد على التقنيات الذكية لتقليل وقت الانتظار والعبور.
فيما بلغ حجم التمويل الأولي لهذه الشراكات ما يقرب من 500 مليون دولار أمريكي في مرحلتها الأولى خلال عام 2025.
ومن خلال هذه المشروعات، تعمل المملكة على بناء شبكة لوجستية متطورة تربط موانئها الرئيسة؛ مثل جدة الإسلامي والملك عبد الله، بالعمق الإفريقي.
وتستهدف هذه المشروعات خفض تكاليف الشحن، وتعزيز الأمن الغذائي والتجاري للمنطقة.
فضلًا عن دعم هدف إستراتيجي محوري، يتمثل في تأمين البحر الأحمر وتنشيط حركة التجارة عبره.
الاستثمارات الإماراتية
تواصل موانئ دبي العالمية DP World ترسيخ دورها بوصفها واحدة من أبرز الشركات العربية المستثمرة في قطاع الموانئ بالقارة الإفريقية. إذ تمتلك سجلًا واسعًا من العمليات في أكثر من عشر دول إفريقية.
فيما كثفت الشركة توسعاتها خلال عام 2025، عبر نهج يركز على دمج التكنولوجيا والحلول اللوجستية المتقدمة، وتجلى ذلك في عدد من المشروعات الرئيسية.
ففي جمهورية الكونغو الديمقراطية واصلت موانئ دبي تطوير ميناء ماتا مادي والمناطق اللوجستية المحيطة به.
ويستهدف هذا التطوير إنشاء بوابة بحرية عميقة على المحيط الأطلسي، تخدم حركة التجارة من وإلى المناطق الداخلية للقارة.
وتجاوزت قيمة الاستثمارات المخصصة لهذا المشروع 1.2 مليار دولار حتى منتصف عام 2025.
وفي موزمبيق وتنزانيا، امتدت الاستثمارات الإماراتية إلى تحديث محطات الحاويات ومرافق الدعم اللوجستي في موانئ محورية؛ مثل دار السلام.
ويهدف ذلك إلى رفع الكفاءة التشغيلية بما يصل إلى 40 %، استجابة للنمو المتوقع في حركة الشحن بشرق إفريقيا.
حلول لوجستية
تواصل موانئ دبي العالمية مشاريعها الرامية إلى توسيع نطاق الموانئ والمناطق الحرة، وربطها بشبكات التجارة الدولية. انطلاقًا من إدراكها للأهمية المحورية للمنطقة بصفتها جسرًا طبيعيًا بين آسيا وإفريقيا.
وتعكس هذه الإستراتيجية توجه موانئ دبي للتحول من شركة تشغيل موانئ إلى مقدم حلول لوجستية شاملة.
وشمل هذه الحلول البنية الرقمية والنقل الداخلي والمناطق اللوجستية الجافة، وليس فقط الأرصفة والمعدات التقليدية.
دوافع الاستثمارات العربية في إفريقيا
تعكس الزيادة الملحوظة في الاستثمارات العربية داخل الموانئ الإفريقية خلال عام 2025 جملة من الدوافع؛ أبرزها: الموقع الإستراتيجي للموانئ الإفريقية على أهم طرق التجارة البحرية.
علاوة على الممرات المرتبطة بباب المندب وقناة السويس؛ ما يجعل تأمين هذه النقاط ركيزة أساسية لحماية سلاسل الإمداد العربية.
وكذلك النمو الديموجرافي والاقتصادي في إفريقيا، التي تعد واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية الصاعدة.
وتتطلع الاستثمارات العربية للاستفادة منه، خصوصًا في ظل تطبيق اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية “AfCFTA”.
بالإضافة إلى تنويع الاقتصادات العربية، بعيدًا عن النفط، عبر ضخ استثمارات في قطاعات مستدامة، وفي مقدمتها قطاع النقل البحري والخدمات اللوجستية.
وأيضًا التنافس الدولي على القارة مع قوى عالمية مؤثرة، مثل الصين وتركيا وفرنسا؛ ما يجعل الاستثمارات العربية في الموانئ، إحدى أدوات القوة الناعمة لتعزيز الروابط الاقتصادية والسياسية.
التوجهات المستقبلية
أشارت المؤشرات الحالية إلى أن وتيرة الاستثمارات العربية في الموانئ الإفريقية ستواصل الصعود، خلال السنوات المقبلة.
وتركز الاستثمارات بشكل أكبر على الأتمتة والتحول الرقمي من خلال دمج منظومات ذكية لإدارة العمليات الملاحية بهدف رفع الكفاءة وتقليل التعقيدات الإدارية.
وتتماشى الموانئ الخضراء عبر الاستثمار في بنية تحتية صديقة للبيئة، مع الاتجاهات العالمية للحد من الانبعاثات وتحقيق الاستدامة.
فضلًا عن تعميق الروابط اللوجستية، من خلال تطوير ممرات النقل البري والسكك الحديدية، لربط الموانئ الساحلية بالمناطق الداخلية غير الساحلية. بما يعزز القدرة التنافسية لسلاسل الإمداد عبر القارة.













