يترقب قطاع شحن الحاويات العالمي لحظة فارقة قد تعيد تشكيل توازناته خلال عام 2026، تتمثل في عودة السفن إلى الإبحار عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
وبعد قرابة عامين من الالتفاف الإجباري حول رأس الرجاء الصالح، لم يعد السؤال المطروح في أوساط الخطوط الملاحية هو ما إذا كانت العودة ستحدث، بل متى ستحدث وكيف ستنعكس على السوق؟.
جاء ذلك بحسب أحدث تقرير لـ ING Global Markets Research، وهي جهة أبحاث تحليلية تتبع بنك ING العالمي، وتقدم دراسات وتحليلات اقتصادية ومالية للأسواق والشركات والأصول المالية.
وأشار التقرير إلى أنه يكفي أن تتخذ شركة كبرى واحدة قرار العودة حتى تتحول هذه الخطوة إلى كرة ثلج تدفع بقية اللاعبين إلى المسار نفسه.
يأتي هذا نظرًا للأهمية الإستراتيجية لقناة السويس التي تمر عبرها أكثر من 15 % من تجارة السلع العالمية ونسبة مضاعفة تقريبًا من تجارة الحاويات، خاصة السلع الاستهلاكية بين الشرق والغرب.
من الالتفاف الاضطراري إلى التحول الإستراتيجي
منذ أواخر عام 2023، أصبحت الملاحة عبر رأس الرجاء الصالح خيارًا شبه جماعي لمعظم سفن الحاويات، عقب تصاعد الهجمات في منطقة البحر الأحمر.
واستمر هذا التحول لفترة أطول بكثير من التوقعات الأولية، ما أدى إلى تغيرات جوهرية في ديناميكيات السوق.
وقد ساهمت المسافات الإضافية، وارتفاع استهلاك الوقود، وتراجع كفاءة الأسطول في امتصاص فائض الطاقة، الأمر الذي دعم أسعار الشحن وهوامش أرباح الخطوط الملاحية.
جاء ذلك بعد أن كانت قد شهدت تراجعًا حادًا من المستويات الاستثنائية المسجلة خلال فترة الجائحة.
لكن هذا “التوازن القسري” مرشح للانكسار مع أي عودة واسعة النطاق إلى البحر الأحمر، إذ إن استئناف العبور عبر قناة السويس يوفر أكثر من 3,000 ميل بحري.
كما أنه يوفر نحو 10 أيام إبحار على خط آسيا – شمال غرب أوروبا، ما يعني تحرير جزء كبير من الطاقة المعطلة حاليًا.
وأشارت التقديرات إلى أن المسار الالتفافي يستوعب ما يقرب من 6% من الطاقة العالمية لأسطول الحاويات، إضافة إلى التأخيرات المزمنة التي أصبحت سمة ملازمة له.
إشارات متزايدة من الخطوط الملاحية الكبرى
خلال الأشهر الأخيرة، بدأت مواقف بعض الخطوط الملاحية الكبرى تتغير تدريجيًا، وفقًا للتقرير.
وبعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في غزة خلال أكتوبر، لم تعد شركات مثل ميرسك وهاباغ-لويد تستبعد العودة إلى البحر الأحمر، بل أكدت استعدادها للقيام بذلك فور توافر الظروف الأمنية المناسبة.
في الوقت نفسه، تواصل CMA CGM تشغيل بعض خدماتها عبر هذا المسار تحت حماية بحرية، ما يعزز التوقعات بأن العودة الكاملة باتت مسألة توقيت أكثر منها قرارًا مبدئيًا.
اضطراب قصير الأجل.. ثم ضغوط سعرية حادة
أشار التقرير إلى انه على الرغم من أن العودة إلى البحر الأحمر تعد خطوة منطقية من منظور الكفاءة التشغيلية وخفض الانبعاثات، فإنها لن تكون سلسة على المدى القصير.
إذ من المرجح أن يؤدي وصول السفن في وقت أبكر من المعتاد إلى موجة ازدحام في الموانئ، ما قد يعيد اختناقات محطات الحاويات ويؤثر على تدفقات الحاويات الفارغة عبر سلاسل الإمداد.
وقد تلجأ الخطوط الملاحية إلى إلغاء بعض الرحلات مؤقتًا للتخفيف من هذه الآثار، إلا أن أسعار الشحن قد تشهد تقلبات صعودية، خاصة إذا تزامنت العودة مع ذروة الطلب المرتبطة برأس السنة الصينية.
لكن بمجرد استقرار الجداول الملاحية، فمن المتوقع أن تتحول الصورة سريعًا إلى ضغوط هبوطية قوية على الأسعار.
فإطلاق طاقات إضافية، بالتوازي مع دخول سفن جديدة من سجل طلبيات ضخم خلال عام 2026، سيصطدم بنمو محدود في أحجام الحاويات.
ومع أن الإبحار البطيء وتسريع وتيرة تخريد السفن الأقدم قد يساهمان في امتصاص جزء من فائض الطاقة، فإن هذه الآليات ستحتاج إلى وقت، ولن تكون كافية لتعويض الاختلال الهيكلي في العرض والطلب.
لماذا لا تتعجل الخطوط الملاحية العودة؟
أوضح التقرير أنه على الرغم من منطقية استئناف العبور خلال الأشهر الستة المقبلة، فإن الخطوط الملاحية تتعامل مع الملف بحذر شديد.
فقد أمضى القطاع عامًا حافلًا بالضغوط، شمل صدمات تجارية، وإعادة تشكيل التحالفات، وإعادة ضبط الشبكات الملاحية.
ومع استقرار الجداول الحالية حول رأس الرجاء الصالح وتحسن موثوقية الوصول، تسعى الشركات إلى تجنب “الاضطراب المزدوج” الناتج عن التنقل السريع بين المسارات دون ضمان استدامة التغيير.
ويكتسب هذا الحذر أهمية خاصة بالنسبة لتحالف Gemini الجديد بين ميرسك وهاباغ-لويد، الذي تعهد لعملائه بمعدل موثوقية وصول يبلغ 90 %، وهو مستوى يفوق بكثير متوسط السوق.
كما تلعب اعتبارات التأمين دورًا محوريًا، إذ لا تزال أقساط التأمين لعبور البحر الأحمر مرتفعة، وقد يتطلب الأمر إما انخفاضًا ملموسًا فيها أو ترتيبات خاصة لكل رحلة.
ومن المرجح أن تبدأ الشركات باختبار المسار تدريجيًا، وربما أولًا في رحلات العودة إلى آسيا، حيث تكون الأحمال أقل حساسية.
تأثير محدود على قطاعات الشحن الأخرى
توقع التقرير أن يكون شحن الحاويات هو الأكثر تأثرًا بالعودة الواسعة إلى البحر الأحمر، فإن التأثير على القطاعات الأخرى، مثل ناقلات النفط والبضائع السائبة، سيكون أقل حدة.
وتعتمد هذه القطاعات بدرجة أقل على هذا المسار في تجارتها الرئيسية، كما أن عددًا أكبر من سفنها واصل العبور حتى خلال فترات التوتر.
ومع ذلك، قد يؤدي انخفاض إجمالي الأميال المقطوعة – مثل شحنات الحبوب من البحر الأسود إلى النصف الجنوبي من الكرة الأرضية – إلى ضغوط طفيفة على الأسعار في بعض المسارات.













