يشير المشهد الحالي لتراكم ما يقرب من مليار برميل من النفط في بحار العالم إلى ظاهرة غير مسبوقة. تظهر وجود كمية كبيرة بشكل غير متناسب من الخام تنتمي لدول خاضعة لعقوبات دولية.
تراكم مليار برميل من النفط في البحار
ويعد هذا التراكم مؤشرا قويا على أن الإجراءات العقابية الغربية تحدث قدرا ملموسا من الاضطراب والتعطيل في تجارة النفط العالمية. مما يفرض تحديات كبيرة على الأسواق التي تتجه نحو تخمة في المعروض.
فمن بين الزيادة في النفط المحمول على الناقلات منذ نهاية شهر أغسطس. يعزى ما يصل إلى نحو 40% من هذا الارتفاع إلى براميل مصدرها روسيا، إيران، فنزويلا، أو من منشأ غير واضح (يشار إليه بـ “أسطول الظل”).
وتأتي هذه الأرقام وفقا لتحليل بيانات تتبع السفن الصادرة عن كبريات شركات تتبع حركة الطاقة مثل “فورتكسا” (Vortexa)، و”كبلر” (Kpler)، و”أويل إكس” (OilX). نقلا عن “بلومبرج الشرق“.
وحتى أقل التقديرات، والتي تبلغ حوالي 20%، تمثل حصة أعلى بكثير من الإنتاج العالمي من الخام مقارنة بما تمثله هذه الدول الثلاث مجتمعة من مجمل الإمدادات. التي تبلغ نحو 17% وفقا لبيانات “أويل إكس”.
التراكم يهدد إيرادات الدول الخاضعة للعقوبات ويربك الأسواق
لا يعني هذا التراكم بالضرورة أن هذه الكميات الهائلة من النفط لن تباع في نهاية المطاف، لكنه يشكل تهديدا مباشرا لاستدامة الإيرادات النفطية للدول الخاضعة للعقوبات.
وتؤكد الأرقام الروسية هذا التهديد. حيث انخفضت إيرادات روسيا من الضرائب المرتبطة بالنفط بأكثر من 24% على أساس سنوي في الشهر الماضي. بحسب تقديرات “بلومبرج” المستندة إلى بيانات وزارة المالية. وتتوقع الحكومة الروسية أن تتراجع عائدات النفط والغاز التي تتدفق إلى الميزانية هذا العام إلى أدنى مستوى منذ الجائحة في 2020.
ويشير هذا الارتفاع في النفط العائم، رغم أنه يعكس جزئيا زيادة في الإنتاج العالمي، إلى وجود صعوبات متزايدة في تفريغ الشحنات. وقد أدى هذا الوضع إلى دفع أسعار الشحن اليومية لأسطول الناقلات إلى تجاوز مستوى 100,000 دولار يوميا لفترة وجيزة. نتيجة للضغوط على الناقلات المتاحة والمخاطر المتزايدة.

سيشكل مصير كل هذا الخام العالق في البحر، سواء كان تحت عقوبات أم لا، عاملا محوريا في تحديد مسار تحرك أسعار النفط العالمية خلال الشهور القليلة المقبلة. بحسب المتعاملين في السوق.
وقال برايان ماندل، نائب الرئيس التنفيذي لشؤون التسويق والتجارة في “فيليبس 66” (Phillips 66). خلال مؤتمر الإعلان عن الأرباح الشهر الماضي: “واضح أن هناك كمية كبيرة من النفط في البحار حاليا. ونترقب بشكل ما لنعرف ما هي”.
تشديد العقوبات يفرض إعادة هيكلة جذرية في تدفقات الخام
أدى الحذر المتزايد من أحدث العقوبات الغربية إلى قدرٍ من إعادة هيكلة تدفقات الخام. في ظل الآثار المتتالية على كبرى الدول المستوردة مثل الهند والصين. فقد أدت الإجراءات التقييدية إلى إحجام مصافي التكرير الهندية بشكل ملحوظ عن استلام الإمدادات الروسية. فضلا عن إشارات إلى احتمال عدم استعداد الصين لسد هذه الفجوة.
كما أن العقوبات الأميركية الأخيرة المفروضة على أكبر شركتين لإنتاج النفط في روسيا، “روسنفت” و”لوك إويل” (Lukoil)، زادت من صعوبة تجارة نفطيهما.
وفي هذا الصدد، كتب محللون لدى “كلاركسون سيكيوريتيز” (Clarksons Securities). منهم فرودي موركيدال: “يعزى جزء من هذا الارتفاع إلى تشديد العقوبات الغربية. التي تركت النفط الروسي عالقا على متن ناقلات لا تستطيع تفريغ شحناتها… اشترى المستوردون السابقون بدائل من الشرق الأوسط ومنطقة المحيط الأطلسي”.

مساهمة روسيا وإيران في النفط العالق
تتصدر الإمدادات الروسية النفط المتراكم الخاضع للعقوبات، في الوقت الذي ارتفعت فيه شحنات الخام الروسي المنقولة بحرا خلال الأسابيع الماضية. بالتزامن مع رفع البلاد الإنتاج في ظل إنهاء تخفيضات الإنتاج السابقة مع شركائها في تحالف “أوبك+”.
ويرجح أن بعض النفط ينقل إلى محطات التصدير نتيجة الهجمات الأوكرانية على البنية التحتية الروسية للنفط. لا سيما مصافي التكرير.
وفي موازاة ذلك، ارتفعت الشحنات الإيرانية أيضا، لتبلغ أعلى مستوى منذ سبع سنوات في أكتوبر. وهو الشهر نفسه الذي شهد فرض الولايات المتحدة عقوبات على محطة صينية رئيسية لدورها في شراء النفط الذي يساعد في تمويل النظام الحاكم في الجمهورية الإسلامية. ما يشير إلى استمرار جهود طهران لبيع خامها رغم القيود.
السعودية والولايات المتحدة تساهمان في ارتفاع الشحنات غير المعاقبة
المؤكد هو أن هناك كميات كبيرة من النفط غير الخاضع للعقوبات على متن الناقلات في البحار أيضا مع زيادة الإنتاج العالمي. وتظهر بيانات “أويل إكس” أن السعودية كانت أكبر مساهم منفرد في هذا الارتفاع منذ نهاية أغسطس. تليها الولايات المتحدة وروسيا بفارق ضئيل.
وقد صدرت المملكة النفط بأعلى وتيرة منذ عامين ونصف خلال الشهر الماضي. في سياق استعادة الحصة السوقية التي فقدتها خلال سنوات تقييد منظمة الدول المصدرة للبترول “أوبك” وحلفائها على الإنتاج.
في الوقت نفسه، ارتفعت كمية النفط الأميركي الموجود في البحر بعد ارتفاع الشحنات في أكتوبر إلى أعلى متوسط شهري منذ يوليو 2024. وزادت الكميات بعد مسارعة مصافي التكرير في آسيا إلى اقتناص الشحنات الأميركية خلال الصيف. عندما قفزت أسعار نفط الشرق الأوسط مقارنةً بالمناطق الأخرى. مستفيدة مما يُعرف باسم “نافذة المراجحة”.
ومع ذلك، تظل الإمدادات العائمة، المُصدرة من دول خاضعة للعقوبات، تمثل نسبة أكبر من الارتفاع مقارنة بحصتها الجماعية من إنتاج النفط العالمي. مما يؤكد أن النفط المعاقب يمثل الجزء الأكبر من الشحنات العالقة التي تواجه صعوبات في الوصول إلى وجهتها النهائية.













