استلمت شركة “HGK” الألمانية للشحن مؤخرًا سفينة شحن جافة جديدة ومبتكرة تُدعى “بلو مارلين” (Blue Marlin)، القادرة على العمل بكفاءة عالية في شبكة المياه الداخلية المعقدة للبلاد، ذلك في خطوة مهمة تؤكد التزام ألمانيا بتحقيق الحياد الكربوني في قطاع النقل.
“بلو مارلين”.. ثورة النقل الداخلي في ألمانيا
وتمثل هذه السفينة الهجينة الجديدة نقلة نوعية في تصميم سفن الشحن؛ حيث تدمج بين نظام دفع فعال يعمل بالديزل والكهرباء، وتقنيات متقدمة لتوليد الطاقة الشمسية. بالإضافة إلى إمكانيات التحكم عن بعد. حسبما ورد على موقع شركة “bairdmaritime” الرائدة عالميًا في مجال الأخبار البحرية.
ويأتي تدشين “بلو مارلين” كجزء من جهود شركة HGK لدعم شركائها الصناعيين الكبار في تحقيق أهدافهم البيئية. فمن المقرر أن تقوم السفينة بنقل الفولاذ والبضائع السائبة الأخرى بشكل رئيس عبر شبكة قنوات شمال غرب ألمانيا. وذلك بموجب عقد خاص مع شركة “Salzgitter” المحلية الرائدة في تصنيع الصلب. كما يعكس هذا التعاون التزام شركات الصناعات الثقيلة بتحويل سلاسل إمدادها لتكون أكثر استدامة وصديقة للبيئة.
تصميم لوجستي فريد يتحدى قيود الملاحة الداخلية
وتتمتع سفينة “بلو مارلين” بتصميم لوجستي دقيق ومحسوب ليتناسب مع تحديات الملاحة في القنوات الداخلية الأوروبية التي تتسم بضحالة مياهها وقيودها الهيكلية.
وقد أفادت “HGK” بأن السفينة صُممت بطول 86 مترًا “280 قدمًا” وعرض 9.5 أمتار “31 قدمًا”. ويعد الغاطس الصالح للملاحة للسفينة نقطة قوة رئيسية. حيث لا يتجاوز 1.1 متر “3.6 قدم”؛ ما يسمح لها بالعمل في المستويات المنخفضة للمياه التي قد تشهدها القنوات خلال فترات الجفاف أو التغيرات الموسمية. وبالتالي ضمان استمرارية نقل البضائع حتى في الظروف البيئية الصعبة.
لا يقتصر تميز السفينة على أبعادها فحسب؛ بل يمتد ليشمل قدرتها على التعامل مع حمولات كبيرة. إذ تتيح مروحتان سمتيتان من نوع Veth، وهما المسؤولتان عن الدفع والتحكم الأساسيين.
بالإضافة إلى دافع إضافي في مقدمة السفينة، ربط “بلو مارلين” ببارجة مدفوعة. هذا التكوين المزدوج يمنح السفينة مرونة تشغيلية عالية وقدرة على نقل حمولات إجمالية تصل إلى 3,110 أطنان. ما يزيد من كفاءتها الاقتصادية ويقلل من عدد الرحلات المطلوبة لنقل نفس الكمية من البضائع.

قفزة نوعية في الدفع.. الطاقة الشمسية لتغذية المحرك الرئيس
يكمن الابتكار الأبرز في “بلو مارلين” في نظام الدفع الهجين المتقدم الذي تتبناه. تعتمد السفينة على نظام دفع يعمل بالديزل والكهرباء. لكنها تتميز بإضافة جوهرية وهي نظام “Wattlab” لوحدات الطاقة الشمسية. ويتكون هذا النظام من 129 لوحة شمسية مثبتة بعناية على سطح السفينة، وهو قادر على توليد ما يصل إلى 37,500 كيلوواط/ساعة من الكهرباء سنويًا.
ما يميز هذا النظام هو أنه لا يقتصر على إمداد “الحمولة الفندقية” فقط – أي الطاقة اللازمة لتشغيل أنظمة الإضاءة والمكيفات والمعدات المعيشية لطاقم السفينة – بل يتعداها لتوفير الطاقة لنظام الدفع الرئيسي للسفينة بشكل اختياري. وهذه الميزة تمثل نقلة حقيقية في مفهوم النقل الداخلي المستدام.
وأفادت شركة “HGK” بأن هذه القدرة تتيح نقل الطاقة المولدة من الألواح الشمسية مباشرةً إلى نظام الدفع الكهربائي. وستمكن الكهرباء المولدة من تشغيل مؤقت خالٍ من الانبعاثات بالكامل من خلال تشغيل مراوح الدفة (المراوح السمتية).
ويتوقع أن يساعد هذا النظام على تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون للسفينة بما يصل إلى 36,000 كجم سنويًا، وهو إنجاز بيئي مهم يدعم الأهداف الوطنية لخفض الانبعاثات.
تكامل ذكي.. البطاريات والطاقة الشمسية لتقليل استهلاك الديزل
ويعمل نظام الطاقة الشمسية الخاص بـ”بلو مارلين”، الذي يوفر ما يصل إلى 35 كيلوواط في الظروف المثالية للتشغيل النهاري. بالتزامن مع أربعة مولدات ديزل تغذي نظام الدفع الكهربائي. هذا التزامن الذكي يضمن كفاءة الطاقة في جميع الأوقات.
وقد أوضحت شركة “واتلاب”، المطورة لنظام الطاقة الشمسية، أن هذا النظام المتكامل يلعب دورًا حاسمًا في تقليل استهلاك الطاقة في أوقات الذروة. فالجمع بين الطاقة الشمسية ووحدات تخزين البطاريات الإضافية يغني عن الحاجة إلى تشغيل مولد ديزل إضافي خلال فترات الطلب المرتفع على الطاقة. مثل مناورات الإرساء أو الإبحار ضد التيارات القوية. وبذلك يتم تخفيض ساعات عمل مولدات الديزل، مما يطيل عمرها التشغيلي ويقلل من استهلاك الوقود والانبعاثات الضارة.
نظام إدارة الطاقة الآلي: مفتاح الكفاءة القصوى
ولضمان تحقيق أقصى استفادة من كل مصدر للطاقة، تعتمد “بلو مارلين” على نظام متقدم لإدارة الطاقة آليًا. سيعمل هذا النظام على توزيع الطاقة الكهربائية بشكل ذكي وحسب الحاجة، أينما ووقتما دعت الضرورة، ما يزيد من الكفاءة العامة للسفينة، ويقلل بشكل ملموس من استهلاك الوقود.
كما يضمن النظام توفير الطاقة الأمثل في مختلف إعدادات السرعة والظروف التشغيلية. سواء كانت السفينة محملة بالكامل أو تسير بحمولة خفيفة.
وفي هذا الصدد، أعرب ديفيد كيستر؛ مؤسس “واتلاب” ومدير العمليات التنفيذي، عن توقعاته بأن تبحر “بلو مارلين” باستخدام الطاقة الشمسية فقط لفترات محدودة. خاصةً في الحالات التي تكون فيها السفينة محملة بشكل خفيف وتتحرك في اتجاه مجرى النهر. ويشير هذا التصريح إلى إمكانية تحقيق تشغيل صفري الانبعاثات في ظروف مثالية. ما يمثل هدفًا استراتيجيًا لصناعة الشحن الداخلي.
تعاون دولي في البناء والتجهيز الفني
لم يكن تصميم وتصنيع “بلو مارلين” جهدًا داخليًا بحتًا؛ بل ثمرة لتعاون دولي وخبرات متراكمة. وتولت شركة “HGK” تصميم السفينة بالتعاون الوثيق والمباشر مع شريكها الرئيس، شركة زالتسغيتر لتصنيع الصلب. لضمان أن التصميم يلبي الاحتياجات التشغيلية الخاصة بنقل الفولاذ بدقة عالية.
أما عن مراحل البناء؛ فقد تم بناء الهيكل الأساسي للسفينة في حوض بناء السفن أورسوفا في رومانيا. وهي منطقة معروفة بخبرتها في بناء هياكل السفن. بينما استكملت شركة دي جيرلين فان تيم في هولندا أعمال التجهيز الفني المعقدة للسفينة. وشمل ذلك تركيب نظام واتلاب للطاقة الشمسية وأنظمة الدفع الكهربائية والتحكم عن بعد. هذا التوزيع للعمل يبرهن على تكامل سلاسل الإمداد الأوروبية في مجال بناء السفن المتطورة.
بالإضافة إلى الجانب البيئي، تتميز السفينة بدمج نظام Seafar، وهو نظام رائد يتيح التحكم في الملاحة عن بعد. وتتجه صناعة الشحن الداخلية نحو زيادة مستويات الأتمتة والتحكم عن بعد لتعزيز السلامة وتقليل تكاليف التشغيل.
وتمثل “بلو مارلين” في مجملها نموذجًا مثاليًا لكيفية دمج التكنولوجيا النظيفة مع الأتمتة والذكاء التشغيلي لخلق مستقبل أكثر كفاءة واستدامة للنقل المائي الداخلي. وينتظر أن تكون تجربة تشغيل “بلو مارلين” مصدر إلهام لأسطول النقل النهري في أوروبا وحول العالم.











