تمر أسواق الشحن العالمية بمرحلة من التغير المستمر، مدفوعة بتحولات هيكلية كبيرة.
فقد ساهم الحظر الذي فرضه الاتحاد الأوروبي على واردات النفط الروسي، إلى جانب التحويلات المتزايدة عبر قناة السويس، في إطالة مسافات الرحلات البحرية.
علاوة على تقليص المعروض من السفن، ما ساعد في دعم أسعار الشحن رغم التحديات.
ورغم هذا الدعم، يُشكل أسطول “الظل” تحديًا إضافيًا، وهو الأسطول الذي يشمل السفن التي تنقل النفط الخام ومنتجات من دول تخضع لعقوبات مثل روسيا وإيران وفنزويلا.
جاء ذلك ضمن تقرير حديث أصدرته شركة Veson Nautical، المتخصصة في التكنولوجيا البحرية وإدارة تجارة الشحن.
واستعرض التقرير توقعات الربع الرابع من عام 2025 لقطاعات الشحن المختلفة، بما يشمل الناقلات، وناقلات البضائع الجافة، وسفن الحاويات، وناقلات الغاز.
ويتركز أسطول الظل في تلبية الطلب من الصين والهند. ما يؤثر على أنماط التجارة التقليدية.
ومن المتوقع أن يؤدي أي تشديد محتمل للعقوبات على هذا الأسطول إلى رفع أرباح السفن الملتزمة بالمعايير القانونية.
الناقلات النفطية (Tankers)
أدى الحظر الأوروبي على النفط الروسي، إضافة إلى اضطرابات المرور عبر البحر الأحمر، إلى زيادة كبيرة في مسافات الرحلات البحرية.
وتحولت أوروبا من الاعتماد على النفط الروسي القريب إلى الاعتماد على مصادر بعيدة في الشرق الأوسط والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، ما زاد من الطلب على “الأطنان-ميل”.
وفي المقابل، يتعرض الطلب العالمي على وقود النقل لضغوط بفعل تحسين كفاءة المحركات.
فضلًا عن التوجه نحو السيارات الكهربائية، ومبادرات التحول في الطاقة.
بالإضافة إلى عوامل هيكلية مثل توسع العمل عن بعد. ما قد يُبطئ نمو الطلب على المدى الطويل.
ورغم الدعم الحالي من زيادة الأطنان-ميل، فإن التسليمات المرتقبة لسفن جديدة، في ظل بطء عمليات تفكيك السفن القديمة، تهدد بإخلال التوازن في السوق بعد عام 2025.
ويشير التقرير إلى أن دفتر طلبات بناء السفن يشكل نحو 16% من حجم الأسطول، وهو معدل نمو معتدل.
تباطؤ في الطلب على بناء السفن
شهد عام 2025 تراجعًا حادًا في التعاقدات الجديدة على الناقلات. حيث انخفضت بنسبة 55 % مقارنة بعام 2024.
كما تراجعت الطلبات على ناقلات المنتجات بنسبة 70 %، وعلى ناقلات الخام بنسبة 42 %، بحسب التقرير.
وفي المقابل، استمر الطلب القوي على سفن الحاويات في إبقاء نشاط أحواض بناء السفن مرتفعًا وأسعار البناء أعلى من المتوسطات التاريخية.
ولا يزال الطلب الصيني عاملاً رئيسيًا في دعم سوق الناقلات، إلى جانب توقعات بنمو إضافي من الهند واقتصادات آسيوية أخرى. ما قد يعوض أي تباطؤ في الصين.
ناقلات البضائع الجافة (Bulkers)
بعد فترة من نمو الأسطول المحدود مقارنة بثبات الطلب، يبدو أن السوق قد وجد توازنًا يدعم أسعار الشحن خلال عام 2025، رغم استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي.
ورغم التراجع المتوقع في شحنات خام الحديد والفحم، فإن الرحلات الأطول مثل الخط الجديد بين غينيا والصين، بالإضافة إلى التحويلات عبر البحر الأحمر، ترفع من الطلب على الأطنان.
وأشار التقرير إلى أن التباطؤ في سوق العقارات الصيني أثر سلبًا على الطلب المحلي على الصلب. حيث تراجع إنتاجه وواردات خام الحديد منذ بداية العام.
كما تعاني صادرات الصلب من قيود ناجمة عن تحقيقات مكافحة الإغراق وفرض رسوم من قبل شركاء تجاريين.
التحول الأخضر يعيد تشكيل التجارة
تعزز جهود إزالة الكربون الطلب على مواد مثل البوكسيت. ما ينعش التجارة بين الصين وغينيا.
في المقابل، يتراجع الطلب على الفحم البحري، مع توسع الصين والهند في الطاقة المتجددة والإنتاج المحلي.
سفن الحاويات (Containers)
من المتوقع أن ينمو الطلب على الأطنان-ميل للحاويات بنسبة 2.4 % فقط في عام 2025، ثم بمتوسط 3 % سنويًا بين 2026 و2028.
ويعود هذا التباطؤ إلى آثار الرسوم الجمركية الأمريكية، إضافة إلى أن جزءًا كبيرًا من التحويلات عبر البحر الأحمر قد تم احتسابه بالفعل في السوق.
استقرار مؤقت للأسعار
وأكد التقرير أن خفض سرعات الإبحار ساهم بنسبة 2.3 % في الحد من المعروض. ما حافظ على استقرار الأسعار رغم دخول حوالي 4.3 مليون حاوية مكافئة إلى الأسطول في 2024 وبداية 2025.
وتوقع التقرير بدء تراجع الأسعار اعتبارًا من 2026، نتيجة تجاوز نمو الأسطول لمعدل نمو الطلب.
ونوه إلى ارتفاع حجم الأسطول بنسبة 5.5 % في 2023 و9.7 % في 2024، ومن المتوقع أن ينمو بمتوسط 8.7 % سنويًا حتى 2028، في ظل تباطؤ الطلب.
طلبات جديدة وفائض مرتقب
أدت أسعار الشحن المرتفعة إلى زيادة التعاقدات على بناء السفن بنحو 3.3 مليون حاوية مكافئة في 2025، وفقًا للتقرير.
ومع دخول نحو 10 ملايين حاوية مكافئة للخدمة في السنوات القادمة، يُتوقع فائض في المعروض، رغم استمرار تأثيرات الاضطرابات الجيوسياسية.
ناقلات الغاز (LPG & LNG Carriers)
ارتفع إنتاج الولايات المتحدة من غاز البترول المسال بنسبة 4.5 % في 2024، وزادت صادراتها بنسبة 10.9 %.
كما ارتفعت صادرات الشرق الأوسط بنسبة 6.5 %، رغم خفض إنتاج النفط.
ومن المتوقع أن تواصل مشاريع الغاز الطبيعي المسال وتوسعات الموانئ دعم الطاقة التصديرية حتى عام 2028.
نمو الأسطول يتجاوز الطلب
نما صافي أسطول VLGC/VLAC بنسبة 10.9 % في 2024، ومن المتوقع أن يسجل متوسط نمو سنوي بنسبة 7.4 %.
كما سجلت السفن المتوسطة نموًا بنسبة 10.1 % في 2024، مع توقع بلوغ 11.4 % سنويًا حتى 2028، بسبب الطلب التاريخي المرتفع.
وبلغ متوسط أرباح ناقلات VLGC نحو 43,300 دولار يوميًا في 2024، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 51,400 دولار يوميًا في 2025، مدفوعة بزيادة الصادرات الأمريكية والخليجية.
لكن من المتوقع أن يتعرض توازن السوق للضغط بدءًا من عام 2027، مع تسارع عمليات تسليم السفن الجديدة.
الصين.. المحرك الرئيسي للطلب
قفزت واردات الصين من غاز البترول المسال الأمريكي بنسبة 37 % في 2024. ما ساهم في نمو واردات منطقة آسيا والمحيط الهادئ بنسبة 11 %.
ورغم ضعف الواردات في النصف الأول من 2025، فمن المتوقع أن يعزز توسع وحدات “PDH” في الصين نمو الطلب مستقبلًا.
ومع ذلك، فإن فائض الطاقة الإنتاجية وضعف الطلب في قطاع البتروكيماويات لا يزالان يشكلان تحديًا، حيث تراجعت صادرات الإيثيلين الأمريكية إلى آسيا بنسبة 79 % في النصف الأول من 2025، بسبب التوترات التجارية.
ومع توسع التجارة داخل آسيا والسعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي الإقليمي، من المرجح أن يبقى هناك دعم نسبي للطلب على الأطنان، بحسب التقرير.













