شهد قطاع الطاقة العالمي والإقليمي، اليوم الأحد، حدثًا بارزًا. تمثل في إعلان شركة “قطر للطاقة” عن توقيع اتفاقية مع عملاق النفط والغاز “شل” للاستحواذ على حصة مشاركة تبلغ 27% في منطقة بحرية استكشافية قبالة السواحل المصرية. هذه الخطوة تؤكد على التوجه الإستراتيجي لدولة قطر نحو تعزيز بصمتها في حوض شرق البحر الأبيض المتوسط الغني بالموارد. وتعزز من الشراكة القائمة بين الشركات الكبرى في المنطقة.
العملاق القطري يستحوذ على 27% من منطقة “شمال كليوباترا”
جاء هذا الإعلان عبر بيان رسمي صادر عن “قطر للطاقة”. حيث تم الكشف عن تفاصيل الاتفاقية التي بموجبها ستنتقل الحصة من “شل” إلى الشركة القطرية. وعلى الرغم من أن الصفقة تنتظر حاليًا الموافقة النهائية من السلطات المصرية المختصة. فإنها ترسم ملامح جديدة لخارطة الاستثمار في قطاع الطاقة المصري. وتؤكد جاذبية المناطق البحرية العميقة قبالة سواحل البلاد.
إن منطقة شمال كليوباترا، التي هي محور هذه الصفقة. تقع في حوض هيرودوت الحدودي الذي يعد من الأحواض الواعدة في شرق البحر الأبيض المتوسط. وهي تغطي مساحة شاسعة تزيد عن 3400 كيلومتر مربع (1313 ميلًا مربعًا). وتتميز بأعماق مائية كبيرة تصل إلى 2600 متر (8530 قدمًا). هذه الخصائص الجغرافية والجيولوجية تجعل من المنطقة تحديًا تقنيًا واستثماريًا كبيرًا. لكنها في الوقت نفسه تَعِد بإمكانيات هائلة لاكتشافات الغاز الطبيعي والنفط. حسبما ورد على موقع شركة “bairdmaritime” الرائدة عالميًا في مجال الأخبار البحرية.
ويظهر الاستحواذ على هذه الحصة الكبيرة دلالات إستراتيجية واضحة. حيث يمثل استثمارًا في أصول ذات مخاطر استكشافية لكنها ذات إمكانات مكافأة عالية. بالنسبة لـ “قطر للطاقة”، تعزز هذه الخطوة من محفظتها العالمية وتُكمل استثماراتها السابقة في مناطق استكشاف بحرية أخرى قبالة سواحل مصر. مما يرسخ وجودها كشريك رئيسي لمصر في مجال الطاقة.

توزيع الحصص وقيادة التشغيل في “شمال كليوباترا”
نصت الاتفاقية على هيكل ملكية وتشغيل واضح لمنطقة شمال كليوباترا. حيث تشير إلى تعاون دولي متعدد الأطراف في هذا المشروع الحيوي. بعد إتمام الصفقة وحصولها على الموافقات اللازمة. ستكون حصص الشركاء في المنطقة على النحو التالي:
- شل (Shell): ستحتفظ بحصة مشاركة قدرها 36% وستتولى دور المشغل لمنطقة شمال كليوباترا. وهذا يؤكد على خبرة “شل” التشغيلية العميقة في مجال الحفر البحري العميق وإدارة المشاريع المعقدة.
- قطر للطاقة (Qatar Energy): ستستحوذ على حصة مشاركة قدرها 27%. ما يمنحها تأثيرًا كبيرًا في القرارات الاستثمارية والتشغيلية للمنطقة.
- شيفرون (Chevron): تمتلك حصة مشاركة قدرها 27%. وهي شركة أمريكية عملاقة أخرى تؤكد على التنافس والاهتمام الدولي بمنطقة شرق المتوسط.
- ثروة للبترول: وهي الشركة المصرية للنفط والغاز، تمتلك حصة مشاركة قدرها 10%. مما يضمن مشاركة وطنية مباشرة في المشروع واستفادة مصرية من الخبرات والتكنولوجيا المكتسبة.
إن وجود هذا التشكيل من الشركاء الدوليين العملاقين (شل كمشغل، قطر للطاقة، شيفرون) إلى جانب الشريك الوطني (ثروة للبترول) يعتبر مؤشرًا قويًا على الجدوى الاقتصادية والتقنية للمشروع. ويوفر شبكة أمان استثمارية واسعة النطاق. إن الخبرات المتراكمة لهذه الشركات في مجال الاستكشاف والإنتاج في المياه العميقة تعزز من فرص نجاح عمليات الحفر التي سيتم إجراؤها في أعماق المنطقة.
ويُعد الدور الذي تلعبه الشركة المصرية “ثروة للبترول” في هذه الشراكة حيويًا. حيث يمكنها من اكتساب المعرفة والتقنيات الحديثة في مجال الاستكشاف البحري العميق. مما يعزز من قدرة مصر الذاتية على تطوير مواردها النفطية والغازية في المستقبل.
استراتيجية التوسع العالمي لـ “قطر للطاقة”
لا يُعد استحواذ “قطر للطاقة” على حصة في منطقة شمال كليوباترا عملًا معزولًا. بل يندرج في إطار استراتيجية أشمل وأكثر طموحًا لتوسيع حضور الشركة على الساحة العالمية. خلال السنوات الأخيرة. كثفت “قطر للطاقة” من جهودها لتأمين حصص في أحواض نفط وغاز حول العالم. مستهدفةً مناطق ذات إمكانات استكشافية عالية.
ومن أبرز المناطق التي شهدت استثمارات قطرية كبيرة خلال الفترة الماضية نجد:
- غيانا: حيث استثمرت “قطر للطاقة” في مشاريع التنقيب، مستفيدة من الاكتشافات الكبيرة التي تمت في السنوات الأخيرة والتي حولت غيانا إلى واحدة من أهم مناطق الإنتاج الجديدة عالميًا.
- لبنان: الاستحواذ على حصص في مناطق بحرية لبنانية يؤكد على الاهتمام بتطوير إمكانات الغاز في المنطقة المشرقية لشرق المتوسط.
- ناميبيا وجنوب إفريقيا: الاستثمار في مناطق الاستكشاف قبالة سواحل جنوب إفريقيا وناميبيا. وهي مناطق يُنظر إليها على أنها الحدود الجديدة للنفط والغاز. خاصة بعد الاكتشافات الكبيرة التي تمت مؤخرًا.
تهدف هذه الإستراتيجية إلى تنويع مصادر إمدادات الشركة وتوزيع المخاطر الجيوسياسية والتشغيلية. فضلًا عن تحويل “قطر للطاقة” من شركة تركز على مواردها الداخلية الهائلة إلى لاعب دولي رئيسي يشارك في أهم المشاريع الاستكشافية حول العالم.
بالإضافة إلى هذه الاستثمارات العالمية، عززت الشركة القطرية مؤخراً من تواجدها في مصر من خلال الاستحواذ على عدة مناطق استكشاف بحرية أخرى قبالة السواحل المصرية. هذه الاستثمارات المتتالية في مصر تؤكد أن القاهرة تعد مركزًا محوريًا ضمن خطة “قطر للطاقة” للتوسع الإقليمي والدولي. فمصر لا توفر فقط إمكانات استكشافية هائلة. بل تعد أيضًا مركزًا إقليميًا لتحويل وتصدير الغاز المسال. مما يضفي قيمة إستراتيجية إضافية على الاستثمار في مناطقها البحرية.
تأثير الصفقة على سوق الغاز الإقليمي والدولي
منطقة شمال كليوباترا. بوقوعها في حوض هيرودوت، تُعد إضافة مهمة إلى خريطة الغاز في شرق المتوسط. وهي منطقة تشهد بالفعل منافسة وتعاوناً متزايدين بين الدول والشركات. إن دخول “قطر للطاقة” بقوة في هذه المنطقة يعزز من إمكانيات مصر لتصبح مركزًا إقليميًا للطاقة. مستفيدةً من موقعها الجغرافي وقدراتها على تسييل وتصدير الغاز.
مع تزايد الطلب العالمي على الغاز الطبيعي. خاصة في أوروبا التي تسعى لتنويع مصادرها، تصبح الاكتشافات الجديدة في شرق المتوسط ذات أهمية قصوى. إن وجود كونسورتيوم يضم “شل”، “قطر للطاقة”، و”شيفرون” يضمن ضخ استثمارات ضخمة وتكنولوجيا متقدمة لازمة لتطوير هذه الحقول البحرية العميقة.












