روتردام.. بوابة أوروبا العظمى تعود إلى الواجهة كـ«درع استراتيجي» للناتو

روتردام.. بوابة أوروبا العظمى تعود إلى الواجهة كـ"درع استراتيجي" للناتو
روتردام.. بوابة أوروبا العظمى تعود إلى الواجهة كـ"درع استراتيجي" للناتو

لم يعد ميناء روتردام، أكبر موانئ القارة الأوروبية، مجرد مركز تجاري يربط القارة ببقية أنحاء العالم. بل يتحول الآن إلى ركيزة استراتيجية ودفاعية في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة. خاصة فيما يتعلق بالوضع مع روسيا. فإلى جانب دوره المحوري في حركة الشحن العالمية. أعلن الميناء مؤخراً عن خطوة غير مسبوقة تتمثل في تخصيص مساحات حجز لاستقبال السفن المحملة بالمعدات العسكرية. مما يعكس تحولاً في وظيفته ليصبح “درعاً لوجستياً” لحلف شمال الأطلسي (الناتو).

روتردام: إرث تاريخي ومكانة لا تتزعزع على الخارطة العالمية

لطالما كان ميناء روتردام، الواقع على مصب دلتا نهر الراين-ميوز-شيلدت على بحر الشمال، بوابته السحرية إلى أوروبا. فمنذ عام 1962 وحتى عام 2004، تربع روتردام على عرش أكثر موانئ العالم ازدحاماً. قبل أن يتفوق عليه ميناء سنغافورة، ويأتي بعده اليوم ميناء شنجهاي في المرتبة العالمية الأولى. ورغم تراجعه عالمياً من حيث حجم المناولة الإجمالي. إلا أن مركزه كأكبر ميناء في أوروبا لم يتزعزع، وهو يمثل اليوم مركزاً حيوياً ليس فقط للاقتصاد الهولندي، ولكن للاقتصاد الأوروبي بأكمله.

إن حجم هذا الميناء يثير الدهشة؛ حيث يمتد على مساحة شاسعة تقارب 30,888 فداناً. ويغطي مسافة طولية تصل إلى 26 ميلاً تقريباً. ولتخيل هذا الحجم الهائل، فإن سعة الميناء الاستيعابية الكلية تفوق 13 ألف ملعب كرة قدم. ويساهم هذا العملاق البحري بقيمة مضافة تفوق 52.4 مليار جنيه إسترليني في الاقتصاد الهولندي سنوياً. ويوفر فرص عمل مباشرة لحوالي 1400 شخص. بالإضافة إلى آلاف الوظائف غير المباشرة المرتبطة بالخدمات اللوجستية والشحن والتخليص.  نقلا عن موقع “express“.

البوابة الجمركية الأهم للاتحاد الأوروبي وشينجن

تكمن الأهمية اللوجستية لروتردام في كونه منفذاً جمركياً خارجياً للاتحاد الأوروبي. وهذا الوضع الاستراتيجي يمنح البضائع التي تدخل عبر هذا الميناء العملاق ميزة فريدة. فبمجرد تخليصها جمركياً، يمكنها أن تتحرك بحرية ودون قيود عبر منطقة شنجن الشاسعة. هذا التسهيل اللوجستي يجعله نقطة دخول مفضلة لـ شركات الشحن الدولية، وخاصة تلك القادمة من شرق آسيا.

في كل عام، يتعامل الميناء مع حجم هائل من الحاويات يقدر بحوالي 14.8 مليون وحدة مكافئة لعشرين قدماً (TEUs). ويربط بذلك المئات من طرق التجارة البحرية بالمناطق الداخلية الأوروبية التي لا تحصى. بدءاً من ألمانيا ووصولاً إلى وسط وشرق أوروبا.

وقد لخصت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية. في تصريح سابق، القيمة الاستراتيجية غير القابلة للجدال لهذا المركز الحيوي قائلةً: “إذا كان أداء ميناء روتردام جيداً، فإن الاقتصاد الأوروبي في وضع جيد”. هذا التصريح يعكس مدى ارتباط صحة القارة الاقتصادية بسلامة وكفاءة عمل بوابتها الأكبر.

التحدي الجيوسياسي: روتردام يتحول إلى مركز لوجستي عسكري لحلف الناتو

في خضم التوترات الجيوسياسية المتزايدة التي تشهدها القارة الأوروبية. وفي مقدمتها التحديات الأمنية المتعلقة بروسيا. اتخذ ميناء روتردام خطوة استباقية هامة تؤكد تحوله إلى عمود فقري في الاستراتيجية الدفاعية لحلف الناتو. فقد أعلن الميناء رسمياً عن حجزه لمساحات محددة على أرصفته ومناطق تخزينه مخصصة لاستقبال السفن التي تحمل المعدات العسكرية التابعة للحلف والدول الأوروبية.

وتتعاون السلطات الهولندية، المشرفة على الميناء، بشكل وثيق ومنظم مع قيادة حلف شمال الأطلسي. ومع الموانئ المجاورة والمنافسة في الوقت ذاته. مثل ميناء أنتويرب البلجيكي. هذا التعاون يشمل التخطيط المشترك والاستعداد لسيناريوهات محتملة تتعلق باللوجستيات العسكرية ونقل القوات والمعدات عبر الحدود.

بودوين سيمونز، الرئيس التنفيذي لهيئة ميناء روتردام، أكد هذا التحول في تصريحات لصحيفة فاينانشال تايمز. مشيراً إلى أن دور الميناء أصبح الآن محورياً في الأمن الأوروبي. ففي حال نشوب نزاع أو تصاعد التوترات. من المتوقع أن يلعب الميناء دوراً لا غنى عنه في استقبال ونقل وإرسال المعدات والإمدادات العسكرية الثقيلة والحرجة إلى خطوط الجبهة أو إلى قواعد الناتو الداخلية.

تنسيق “لا تنافسي” مع الموانئ المجاورة لتأمين القارة

أشار “سيمونز” إلى أن عملية مناولة البضائع العسكرية تتطلب معايير وإجراءات خاصة قد لا تتوافر في جميع المحطات. وقال: “ليست كل محطة مؤهلة لمناولة البضائع العسكرية”. وهذا ما يستدعي تنسيقاً عالياً مع الموانئ الأخرى لضمان قدرة أوروبا على تلبية احتياجات النقل الضخمة في حالات الطوارئ.

وتابع موضحاً طبيعة التعاون الإقليمي: “إذا كان لا بد من شحن كميات كبيرة من البضائع العسكرية، فسنلجأ إلى أنتويرب أو موانئ أخرى للاستحواذ على بعض الطاقة الاستيعابية، والعكس صحيح. نرى بعضنا البعض أقل تنافساً [في هذا الجانب]”. وأضاف: “وبالطبع، نتنافس حيثما كان ذلك ضرورياً، لكننا نعمل معاً حيثما أمكن”.

هذا التنسيق اللوجستي، الذي يضع الأمن والدفاع فوق الاعتبارات التجارية المعتادة، يرسخ مكانة روتردام ليس فقط كمركز اقتصادي ضخم يتعامل مع 140 ألف سفينة سنوياً، بل كأحد أهم نقاط الارتكاز الاستراتيجية التي يعتمد عليها حلف الناتو لضمان سرعة وفعالية نشر قواته وإمداداته عبر القارة الأوروبية. ويؤكد هذا الإجراء الاستباقي أن عملاق الشحن الهولندي مستعد تماماً لتحمل مسؤولياته الجديدة في عالم تتزايد فيه المخاطر الأمنية وتتطلب تحالفاً لوجستياً قوياً.