“الكروز” والبحر الأحمر.. رافدان إستراتيجيان في مسيرة التحول السياحي

الكروز

يشهد قطاع الكروز البحري والسياحة البحرية في المملكة تحولًا إستراتيجيًا عميقًا، يعكس الرؤية الطموحة للمملكة نحو بناء اقتصاد متنوع ومزدهر.

ومع انطلاق رؤية السعودية 2030، برزت السياحة البحرية باعتبارها أحد أعمدة قطاع السياحة الوطني.

وتمتد هذه السياحة من ساحل ممتد على البحر الأحمر يزيد طوله على 1800 كيلومتر، وما يزخر به من جزر طبيعية وشعاب مرجانية تُعد من بين الأجمل عالميًا.

هذه المقومات، وضعت السعودية على خريطة الوجهات البحرية العالمية، خصوصًا في صناعة الكروز.

إلى جانب الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للموانئ والمشاريع السياحية الكبرى.

تأسيس “كروز السعودية”

من أبرز المبادرات الرائدة في هذا القطاع تأسيس شركة “كروز” التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، والتي تقود عملية بناء صناعة الكروز من الصفر.

وعملت الشركة منذ إطلاقها على استقطاب كبريات شركات الكروز العالمية؛ مثل “كوستا كروز” و”إم إس سي كروز”.

علاوة على إطلاق برامج رحلات بحرية موسمية تربط بين موانئ البحر الأحمر والموانئ الإقليمية والعالمية.

وجرى الاستثمار في تهيئة الموانئ لاستقبال السفن السياحية العملاقة، وفي مقدمتها ميناء جدة الإسلامي الذي أصبح المنصة الرئيسية لانطلاق رحلات الكروز بالمملكة.

تجهيزات بميناء جدة

وشهد ميناء جدة الإسلامي سلسلة من أعمال التطوير خصيصًا لهذا الغرض، شملت تجهيز محطات متخصصة لاستقبال الركاب.

بالإضافة إلى تطوير خدمات الضيافة، وتبسيط إجراءات الدخول والخروج؛ لتكون تجربة السياح أكثر سلاسة.

وجعلت هذه التحديثات الميناء قادرًا على استقبال أضخم سفن الكروز، بما ينسجم مع التوجه لجعل جدة إحدى العواصم السياحية على البحر الأحمر.

مبادرات خاصة بالكروز

كما أطلقت الهيئة العامة للموانئ مبادرات خاصة بالتنسيق مع “كروز” ووزارة السياحة.

تستهدف هذه المبادرات جاهزية الميناء في إطار مواسم الكروز السنوية، وضمان التكامل بين مختلف الجهات ذات العلاقة.

لا يقتصر الأمر على جدة وحدها، فموانئ أخرى على الساحل الغربي مثل ميناء ينبع التجاري وميناء الملك عبد الله دخلت أيضاً على خط التطوير.

وتتطلع الهيئة العامة للموانئ تشكيل شبكة متكاملة قادرة على استيعاب النمو المتوقع في حركة السفن السياحية.

وتوفر هذه الموانئ للسياح بوابات دخول إلى مواقع سياحية وثقافية متميزة؛ في ينبع مثلًا يمكن للزوار الاستمتاع بالشواطئ والغوص في الشعاب المرجانية.

بينما يفتح ميناء الملك عبد الله آفاقًا للوصول إلى الوجهات الكبرى؛ مثل “نيوم” ومشاريع البحر الأحمر.

الكروز

مشاريع سياحية كبرى

وتتلاقى هذه الجهود مع المشاريع السياحية العملاقة التي أطلقتها المملكة على ساحل البحر الأحمر؛ فمشروع “البحر الأحمر” الذي يعد من أكبر المشاريع السياحية في العالم، يوفر وجهات فاخرة للسياحة المستدامة، مع التركيز على الحفاظ على البيئة البحرية.

ومن المتوقع أن يستقبل المشروع جزءًا كبيرًا من رحلات الكروز، بحيث تصبح محطاته السياحية جزءًا من برامج السفن العالمية.

أما مشروع “نيوم” في أقصى شمال البحر الأحمر؛ فيقدم تجربة مستقبلية متكاملة تجمع بين السياحة والابتكار.

ويتوقع أن يشكل بدوره نقطة جذب لخطوط الكروز العالمية التي تبحث عن وجهات فريدة وغير تقليدية.

الاستثمار السياحي

أثبتت النجاحات التي تحققت حتى الآن أن الاستثمار في السياحة البحرية ليس مجرد إضافة جمالية؛ بل رافد اقتصادي حقيقي.

فقد ساهمت مواسم الكروز التي انطلقت منذ عام 2021 في استقطاب آلاف السياح الدوليين.

انعكس هذا على ازدهار قطاعات الضيافة والفنادق والمطاعم والأنشطة الترفيهية في جدة وينبع وغيرها من المدن الساحلية.

كما خلقت هذه الصناعة فرص عمل مباشرة في تشغيل الموانئ وخدمات السياحة، وأخرى غير مباشرة في قطاعات النقل، الإمدادات، والتجزئة.

إلى جانب الأثر الاقتصادي، تعزز السياحة البحرية مكانة المملكة على خريطة السياحة العالمية.

فضلًا عن تقديم صورة حديثة عن السعودية كوجهة منفتحة ومتنوعة تجمع بين الأصالة والمعاصرة.

برامج سياحية مختلفة

لا تقتصر برامج “الكروز” على الاستمتاع بالبحر؛ بل تشمل أيضًا رحلات إلى مواقع التراث مثل جدة التاريخية (البلد) المدرجة على قائمة اليونسكو، وزيارات إلى العلا.

بيّن هذا الدمج السياحة البحرية والثقافية يعكس هوية المملكة الفريدة ويجذب شرائح واسعة من السياح.

كما تحرص المملكة على دمج التكنولوجيا والاستدامة في مشاريعها البحرية، فالموانئ السعودية تتبنى أنظمة أتمتة متقدمة لتسريع الإجراءات وتقليل الانبعاثات.

بينما تركز “كروز السعودية” على معايير السياحة البيئية لضمان أن تكون الرحلات متوافقة مع أهداف حماية البيئة البحرية الحساسة في البحر الأحمر.

موقع ريادي للمملكة

تضع المملكة نفسها في موقع ريادي بفضل موقعها الجغرافي الفريد الذي يربط بين قارات العالم الثلاث، في ظل التنافس الشديد الذي يشهده العالم في قطاع الكروز،

وبفضل قدرتها على تقديم تجربة سياحية متكاملة تمتد من البحر إلى الصحراء والتاريخ.

كل ما سبق، يجعل من المملكة لاعبًا صاعدًا بقوة في هذه الصناعة، وقصة نجاح جديدة تضاف إلى سجل الإنجازات الوطنية في النقل البحري واللوجستيات.

وبالنظر إلى المستقبل، فإن تكامل مشاريع الموانئ، الكروز، والوجهات السياحية الكبرى على البحر الأحمر، سيجعل من السعودية إحدى الوجهات البحرية الأكثر جاذبية في العالم.

كما يؤهلها لتكون معبر للتجارة العالمية، ومنصة سياحية رائدة تستقطب الملايين من الباحثين عن التجارب الجديدة والفريدة.