في لحظة تاريخية توجت بها سنوات من العمل الشاق والتحديات. استقبل ميناء رييكا، شمال البحر الأدرياتيكي. أول سفينة حاويات تجارية، إيذاناً بالتشغيل الرسمي لمحطة “بوابة رييكا” (Rijeka Gateway). التي توصف بأنها واحدة من أكثر الموانئ تطورًا وحداثة في المنطقة. هذا المشروع الضخم، الذي بلغت تكلفته 380 مليون يورو. لا يمثل مجرد إضافة جديدة للبنية التحتية الكرواتية. بل هو حجر الزاوية في استراتيجية زغرب الطموحة لترسيخ مكانتها كمركز لوجستي رئيسي يربط أوروبا الوسطى بالعالم عبر البحر.
حلم يتحقق.. من تحديات إلى إنجازات
كانت اللحظة الرمزية لوصول سفينة “الجسرة”، التي يبلغ طولها 368 مترًا قادمة من بورسعيد بمصر. بمثابة إعلان رسمي عن بداية عهد جديد للميناء. ويعكس هذا الافتتاح المشترك بين شركة “APM Terminals” الهولندية ومجموعة “ENNA” الكرواتية. الثقة الدولية في رؤية كرواتيا الطموحة. نقلا عن موقع “intellinews“.
وأكد نائب رئيس الوزراء ووزير النقل الكرواتي، أوليغ بوتكوفيتش. على أهمية هذا الإنجاز، قائلًا: “هذه لحظة تاريخية ليس فقط لرييكا. بل لكرواتيا بأكملها”. واستذكر بوتكوفيتش التحديات العديدة التي واجهها المشروع. مثل إنشاء الطريق السريع 403 الذي يعد جزءًا لا يتجزأ من المشروع.
وأشار إلى أن المشروع واجه صعوبات كادت أن تدفع البنك الدولي للتخلي عنه. قبل أن تتمكن الحكومة من تأمين تمويل أوروبي حاسم. هذا الدعم المالي كان بمثابة شريان الحياة الذي ضمن اكتمال المشروع. ليربط المحطة الجديدة بشكل فعال بشبكة النقل البري.
تكنولوجيا متطورة وكفاءة تشغيلية
تعد محطة “بوابة رييكا” نموذجًا للتقنيات الحديثة في مجال الموانئ. ففي مرحلتها الأولى، صممت المحطة لمناولة 650,000 وحدة مكافئة لعشرين قدمًا (TEU) سنويًا. مع خطة للتوسع لترتفع القدرة الاستيعابية إلى أكثر من مليون وحدة بعد استكمال المرحلة الثانية. يمتد الرصيف حاليًا على طول 400 متر بعمق 20 مترًا. ويتم تمديده إلى 680 مترًا في المرحلة القادمة. ما يسمح باستقبال أكبر سفن الحاويات في العالم.
ويعد الجانب التكنولوجي هو الأبرز في المحطة. فالمرفق يضم أربع رافعات تعمل عن بعد من السفينة إلى الشاطئ. و15 رافعة جسرية بإطارات مطاطية. ورافعتين جسريتين مثبتتين على سكة حديد. بالإضافة إلى 28 جرارًا للمحطة. جميع هذه المعدات تُدار من مركز واحد وتعمل بالطاقة المتجددة، ما يجعلها “الأولى من نوعها في منطقة البحر الأدرياتيكي”. هذا المستوى من الأتمتة لا يضمن الكفاءة التشغيلية فحسب، بل يعكس أيضًا التزام كرواتيا بالاستدامة البيئية في قطاع النقل.

تأثير اقتصادي ورهان على المستقبل
تتجاوز أهمية المشروع حدود الميناء. فقد أشار بيتر كورفيتسن، المدير العام للمحطة، إلى أن المشروع يوظف حاليًا حوالي 250 شخصاً، مع توقعات بزيادة هذا العدد إلى 300 موظف. وقال كورفيتسن: “تعد هذه المحطة رمزًا لرييكا كميناء حديث ومستدام ومتطور تقنيًا، يسهم في خلق القيمة ودفع عجلة الاقتصاد المحلي والوطني، مع مراعاة المجتمع والبيئة”.
ومن جانبه، أكد توميسلاف روزانديتش، المدير المالي للمحطة، على أهمية ربط المحطة بشبكة السكك الحديدية. وقال: “يجعد ربط السكك الحديدية عالي الجودة أمرًا بالغ الأهمية لمحطتنا، لذا ندعم بقوة إنشاء خط سكة حديد منخفض يمكن رييكا من أن تصبح نقطة دخول إلى وسط وجنوب شرق أوروبا”. هذا الربط الحيوي يمكن الميناء من منافسة الموانئ الأوروبية الأخرى واستقطاب المزيد من الشحنات.
تحديات ومشاريع مستقبلية
رغم الاحتفاء بالافتتاح، فإن مسؤولي الميناء والحكومة يدركون أن التحديات لم تنته بعد. ففي سياق استراتيجية كرواتيا لتحويل رييكا إلى بوابة لوجستية، قامت البلاد باستثمارات كبيرة أخرى، بما في ذلك محطة بحرية للغاز الطبيعي المسال في جزيرة كرك. إلا أن مشروع سكة حديد الأراضي المنخفضة لا يزال بحاجة إلى تسريع.
وأكد الوزير بوتكوفيتش على أن هذا المشروع ضروري لتحقيق كامل إمكانات الميناء، خاصة وأن التمويل الأوروبي متاح. وقال: “بدون السكة الحديدية الجديدة، لن نكون الأكثر نجاحًا والأفضل. نبذل قصارى جهدنا لتسريع هذه العملية”.
بالإضافة إلى البنية التحتية، كان لزاما على القائمين على المشروع أن يولوا اهتمامًا خاصًا للتاريخ. فقد شملت أعمال التطوير تجديد المستودع رقم 22 التاريخي، والذي أصبح الآن مبنى الإدارة الرئيسي للمحطة. وتم ترميم المبنى تحت إشراف صارم للحفاظ على طابعه التاريخي مع تجهيزه بأحدث معدات مقاومة الزلازل. هذا المزيج بين التاريخ والحداثة يجسد روح الميناء، الذي يربط بين تراثه العريق ورؤيته المستقبلية.
افتتاح محطة بوابة رييكا
يمثل افتتاح محطة “بوابة رييكا” إنجازًا هامًا لكرواتيا، ويعزز مكانتها على الساحة اللوجستية الأوروبية. ولكن النجاح الحقيقي يتوقف على قدرة القائمين على المشروع على استغلال هذه البنية التحتية المتقدمة بشكل كامل، من خلال استكمال المشاريع المكملة وتوفير الكفاءة التشغيلية التي يتوقعها العملاء. ومع دعم قادة قطاع الشحن مثل يوهان سيغسغارد من شركة “Maersk”، الذي رحب بالمحطة كإضافة تعزز شبكة الشركة، يبدو أن ميناء رييكا جاهز لأخذ مكانه بين أهم بوابات التجارة في أوروبا.













