ميناء الدقم العماني.. رؤية جديدة للنمو

ميناء الدقم: رؤية جديدة للنمو تتجاوز إعادة الشحن
ميناء الدقم: رؤية جديدة للنمو تتجاوز إعادة الشحن

في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها قطاع النقل البحري العالمي. يبرز ميناء الدقم في سلطنة عمان كنموذج ريادي يعيد تعريف مفهوم النجاح للموانئ الحديثة. ففي الوقت الذي تواجه فيه العديد من الموانئ العالمية خطر نقص الاستخدام رغم امتلاكها مرافق على مستوى عالمي.

فيما يؤكد ميناء الدقم على أن المستقبل لا يكمن في مجرد إعادة الشحن. بل في مزيج استراتيجي يجمع بين العمليات الفعّالة، والتصنيع القائم على الطاقة الخضراء، والشراكات القوية بين القطاعين العام والخاص.

ميناء الدقم يعيد تعريف مفهوم النجاح للموانئ الحديثة

يشار إلى أن هذه الرؤية الطموحة لمستقبل الميناء طرحها السيد ريجي فيرمولين، الرئيس التنفيذي، خلال كلمته أمام منتدى النقل في الشرق الأوسط. حيث رسم خارطة طريق واضحة للنمو المستدام.

وقال فيرمولين إن الكفاءة والعمليات اللوجستية السلسة هي شروط ضرورية. لكنها لم تعد كافية بمفردها لضمان استمرارية النجاح. وأشار إلى أن الموقع الجغرافي المتميز والبنية التحتية المتطورة يجب أن تُعزز بمنطقة صناعية حيوية تولّد حركة شحن دائمة ومستقلة عن تقلبات السوق. نقلا عن موقع “zawya“.

كما استشهد فيرمولين بموانئ عالمية عانت من ركود رغم تحديثها. وذلك لافتقارها إلى هذه الركيزة الأساسية، وهي وجود صناعات مرتبطة بالرصيف تولّد أحجامًا مضمونة من البضائع. في المقابل، يتبنى ميناء الدقم نموذجًا مختلفًا. حيث يركز على توليد حركة البضائع من الداخل. وذلك من خلال مشاريع صناعية كبرى تعرف بـ “المتعهدين الراسين” والتي تمثل قاعدة صلبة للنمو المستقبلي. هذه المشاريع الضخمة في قطاعات مثل الصلب والغاز ومصايد الأسماك. تخلق دورة فعالة من الأحجام والاستثمارات. مما يضمن تدفقًا مستمرًا للبضائع ويعزز مرونة الميناء في مواجهة الدورات الاقتصادية المتقلبة.

ثلاث ركائز استراتيجية لمستقبل مستدام

علاوة على ذلك وفي إطار حديثه عن الخطوات المستقبلية. حدد الرئيس التنفيذي ثلاث أولويات استراتيجية تشكل المرحلة القادمة من نمو ميناء الدقم. والتي جاءت كالتالي:

1- إزالة الكربون: بوابة الدقم للطاقة الخضراء

تتصدر إزالة الكربون قائمة الأولويات. حيث يسعى ميناء الدقم إلى الاستفادة القصوى من موقعه المتميز وقدراته المتكاملة في مجال طاقة الرياح والطاقة الشمسية. تهدف هذه الاستراتيجية إلى تحويل الدقم إلى مركز عالمي لإنتاج وتصدير الطاقة الخضراء ومشتقاتها. وأكد فيرمولين أن هذه القدرات ستُستخدم لتوفير كهرباء نظيفة للصناعات التحويلية. وخاصةً لإنتاج الصلب منخفض الكربون.

كما أضاف أن الميناء يعمل بخطوات ثابتة لضمان مواءمة مشاريع المستفيدين مع متطلبات الإنتاج قبل التشغيل الكامل للصناعات التحويلية. وأشار إلى وجود اهتمام كبير من مستثمرين عالميين من اليابان، البرازيل، أوروبا والصين. مما يؤكد على جاذبية الدقم كوجهة للاستثمار في مجال الطاقة النظيفة. هذا التوجه لا يعكس فقط التزام الميناء بالاستدامة البيئية. بل يفتح آفاقًا جديدة للنمو الاقتصادي من خلال استقطاب الصناعات المستقبلية التي تعتمد على مصادر الطاقة المتجددة.

2- المواطنون والمجتمع: بناء مدينة مزدهرة

كما لا يقتصر طموح الدقم على الجانب الاقتصادي فقط. بل يمتد ليشمل بناء مجتمع مزدهر ومستدام. تتضمن الركيزة الثانية خططًا لتوسيع نطاق الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية والخدمات الحضرية. الهدف من ذلك هو جذب الكفاءات والكوادر البشرية إلى محافظة الوسطى وتحويل الدقم إلى مدينة جاذبة للعيش والعمل.

وفي الوقت نفسه، يولي الميناء أهمية قصوى للحفاظ على الموارد الطبيعية الفريدة في المنطقة. بما في ذلك الموائل الساحلية الحساسة ومسارات هجرة الطيور. هذا التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة يعكس رؤية متكاملة تضع الإنسان والبيئة في صميم التخطيط للمستقبل.

3- الصحة والرفاهية في العمل: بيئة صناعية ملائمة

يشار إلى أن هذه الركيزة الثالثة تعد أساسًا لضمان استمرارية نجاح الميناء على المدى الطويل. حيث تركز على دمج تدابير السلامة وجودة الحياة لضمان أن تكون الدقم مدينة صناعية ملائمة للعيش. فالاستثمار في صحة ورفاهية العاملين يعزز الإنتاجية ويضمن استمرارية العمليات. مما يساهم في بناء قوة عاملة ملتزمة ومستقرة.

تحسين الكفاءة اللوجستية والأداء التشغيلي

وفي سياق حديثه عن الكفاءة. أكد الرئيس التنفيذي على أن ميناء الدقم يعمل مع الجهات الوطنية على تطوير نظام مجتمع لوجستي شامل. هذا النظام يهدف إلى ربط كافة الأطراف الفاعلة في سلسلة التوريد. بما في ذلك مشغلو الموانئ، والجمارك، والمناطق الحرة، والمستودعات، وشركات الشحن. الهدف هو توفير رؤية فورية للعمليات وتسريع إجراءات التخليص. مما يقلل الفجوة بين التوقعات العالية للمستهلكين في تتبع الشحنات الشخصية (B2C) والعمليات المعقدة في عالم الشحن التجاري (B2B).

وكذلك من الناحية التشغيلية أكد فيرمولين أن العمليات الأساسية للميناء، مثل مناولة السفن والتحميل والتفريغ، تُحقق أداءً جيدًا. إلا أن المهمة الآن هي تعزيز هذا الأداء من خلال الصناعات المدارة لضمان مرونة حركة الشحن في جميع الظروف. وأشار في هذا الصدد إلى ورشة عمل فنية مُقرر عقدها هذا الأسبوع. ستُركز على استراتيجيات الشحن القائمة على المنشأ في الدقم والمناطق المحيطة بها.

نموذج جديد للتعاون

في ختام كلمته. حذّر فيرمولين من أن “النموذج القديم لهيئة ميناء مهيمنة تنتظر العملاء قد ولى”. خاصةً مع وجود فائض في الطاقة الاستيعابية في أجزاء من الخليج والمحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط. وأكد أن النجاح المستقبلي لن يتحقق إلا من خلال العمل الجماعي والشراكة الحقيقية بين مالكي البضائع، والجهات التنظيمية، والمشغلين، وشركات الشحن.

كما أضاف أن السياسات الحكومية التي تجعل من عمان سوقًا طبيعيًا للمنشأ والوجهة للشحنات المتجهة شمالًا وجنوبًا إلى الإمارات العربية المتحدة وما بعدها. تلعب دورًا محوريًا في تعزيز مكانة الميناء. وأكد أن “الشراكة هي السبيل الوحيد للمضي قدمًا”، فوجود خطة منطقية مبنية على صناعات مرتبطة بالطاقة النظيفة، ومجتمعات قادرة على الازدهار. وشفافية رقمية، هو ما سيجذب الاستثمارات اللازمة.

بهذه الرؤية الشاملة التي تتجاوز مجرد العمليات التشغيلية. يؤكد ميناء الدقم على أن المستقبل لا يكمن في مجرد كونه نقطة عبور. بل في تحويل نفسه إلى مركز اقتصادي متكامل يساهم في دفع عجلة التنمية في سلطنة عمان والمنطقة بأسرها.