سي وايز جاينت.. حكاية أكبر ناقلة نفط عرفها التاريخ

ناقلة نفط

تعد ناقلة النفط العملاقة “سي وايز جاينت”، التي عرفت بعدة أسماء خلال مسيرتها الطويلة والمليئة بالتحديات، أكبر ناقلة نفط تم بناؤها على الإطلاق.

وحملت هذه السفينة الفريدة أسماء متعددة على مدار سنوات خدمتها، من بينها: “هابي جاينت”، و”ياهري فايكنج”، و”نوك نيفيس”، وأخيرًا “مونت”.

جاء ذلك وفقًا لتقرير نشره موقع Marine Insight، المتخصص في أخبار الصناعة البحرية والملاحة العالمية.

أكبر ناقلة نفط على الإطلاق

كانت ناقلة النفط العملاقة “ULCC” أطول وأثقل سفينة ذاتية الدفع في تاريخ الملاحة البحرية. وقد تم بناؤها بواسطة شركة “سوميتومو” للصناعات الثقيلة في يوكوسوكا، كاناغاوا، اليابان.

كانت حمولتها الساكنة الأكبر على الإطلاق، وبلغت إزاحتها عند اكتمال حمولتها 657,019 طنًا، بحسب التقرير. أما حمولتها الإجمالية، فقد بلغت 260,941 طنًا، ومساحة سطحها 31,541 مترًا مربعًا.

رحلة أكبر ناقلة نفط

بدأت رحلة أكبر ناقلة نفط في عام 1974 عندما تقدم رجل أعمال يوناني بطلب شرائها، إلا أنه تراجع عن ذلك بسبب الصعوبات المالية.

وكان حوض بناء السفن يملك سفينة نصف مبنية، في عام 1981، فحصل رائد الشحن في هونج كونج “تونغ تشاو يونغ”، مؤسس شركة “Orient Overseas Container Line” ، على الهيكل غير المكتمل.

أمر “تونغ” بزيادة حجم السفينة، لذلك تم إدخال قسم إضافي في بدنها لزيادة طولها وسعتها الاستيعابية. وعند اكتمال بنائها وإعادة إطلاقها عام ١٩٨١، أُطلق عليها اسم “سي وايز جاينت”، وفقًا للتقرير.

مواصفات مميزة للناقلة

وأشار أن أبعاد ناقلة النفط الضخمة جعلتها محط أنظار في قطاع النقل البحري، وأعجب كل من رآها لأول مرة بحجمها.

فقد بلغ طولها 458.45 مترًا أي ما يعادل 1504.1 قدمًا، وهو أطول من مبنى “إمباير ستيت”، ويعادل أربعة ملاعب ونصف كرة قدم موضوعة جنبًا إلى جنب.

فيما كان عرض أكبر ناقلة نفط 68.8 مترًا، أي ما يعادل تقريبًا عرض ملعب كرة قدم أمريكية.

أما غاطسها، عند حمولتها الكاملة، فكان 24.6 مترًا؛ ما جعلها غير قادرة على الإبحار في القناة الإنجليزية أو قناة السويس أو قناة بنما.

سعتها وسرعتها

وبلغت سعتها الاستيعابية نحو 4.1 مليون برميل من النفط الخام؛ ما يكفي لملء نحو 1500 حمام سباحة أوليمبي.

وكانت تعمل الناقلة بمحرك بخاري واحد بقوة قصوى تبلغ 50,000 حصان، بحسب ما ورد في التقرير.

تمتلك الناقلة العملاقة القدرة على الوصول إلى سرعة 16.5 عقدة أو 30.6 كم/ساعة، وتحتاج إلى مسافة 5.5 ميل على الأقل للتوقف من سرعتها القصوى، ودائرة دوران تبلغ ميلين.

إنطلاقة ناقلة النفط

وأكد التقرير أن في سنواتها الأولى، قامت الناقلة بشحن النفط الخام بين الشرق الأوسط والولايات المتحدة.

وتسبب حجمها الهائل في صعوبات عديدة؛ حيث لم تتمكن من دخول معظم الموانئ، وكانت تتطلب مناورات متخصصة.

رحلة “سي وايز جاينت”.. من اللهب إلى ذاكرة للتاريخ

في ذروة الحرب الإيرانية العراقية خلال ثمانينيات القرن الماضي، وجدت ناقلة النفط العملاقة “سي وايز جاينت” نفسها في قلب صراع دموي لم يكن للناقلات العملاقة فيه مكان آمن.

ففي مايو من عام 1988، كانت السفينة راسية قبالة جزيرة لارك الإيرانية، محملة بشحنة ضخمة من النفط الخام الإيراني.

حين استهدفتها طائرات مقاتلة عراقية بصواريخ “إكسوسيت” الفرنسية الصنع وهي صواريخ بحر معروفة بدقتها التدميرية.

اندلعت النيران في أنحاء الناقلة، وتلتها انفجارات عنيفة هزت بدن السفينة الضخم؛ ما أدى إلى حريق استمر لساعات.

وعلى الرغم من أن الطاقم نجا بأعجوبة من المأساة، فإن السفينة لم تكن بنفس الحظ، فقد غرقت في المياه الضحلة، ووصفت شركات التأمين حالتها بأنها خسارة كلية.

ولكن على الرغم من الخراب، إلا أنها لم تكن هذه نهاية القصة على الإطلاق، بحسب تقرير “Marine Insight”.

النهوض من أسفل الحطام

بعد انتهاء النزاع، ظهرت شركة نرويجية تدعى “نورمان إنترناشونال”، وقد رأت فيما بقي من السفينة فرصة لا تقدر بثمن.

وقررت الشركة شراء الحطام، وأطلقت مشروعًا جريئًا لإعادة الحياة إلى أكبر ناقلة نفط عرفها التاريخ حتى تلك اللحظة.

تم قطر السفينة المتضررة من الخليج العربي إلى حوض بناء السفن الشهير كيبيل “Keppel” في سنغافورة؛ حيث خضعت لأعمال صيانة وإصلاح شامل.

استغرقت عملية الإصلاح عدة سنوات، وشملت إعادة بناء الهيكل، واستبدال الأجزاء المحترقة، وتجديد أنظمة الملاحة والتشغيل.

وفي أكتوبر 1991، عادت السفينة إلى الحياة تحت اسم “Happy Giant”، وفقًا لما جاء في التقرير.

لم تدم هذه التسمية طويلًا، إذ سرعان ما اشتراها قطب الشحن النرويجي الشهير “يورغن ياري” في العام نفسه.

وأطلق عليها اسمًا جديدًا أكثر ملاءمة لحجمها الأسطوري “ياري فايكنج” “Jahre Viking”

من سفينة عملاقة إلى خزان عائم

واصلت السفينة رحلتها في البحر لعدة سنوات، حتى عام 2004، عندما بيعت مرة أخرى إلى شركة “First Olsen Tankers” ومقرها سنغافورة.

وفي تحول استراتيجي، قررت الشركة تحويل السفينة إلى وحدة تخزين وتفريغ عائمة FSO – Floating Storage and Offloading unit. وهو دور يعتبر حيويًا في منشآت النفط البحرية.

أُعيدت تسميتها إلى “Knock Nevis”، وجرى تثبيتها في حقل الشاهين النفطي قبالة سواحل قطر، أحد أكبر الحقول النفطية في الخليج العربي.

هناك، أصبحت السفينة عنصرًا حيويًا في سلسلة إمداد النفط، تخزن وتفرّغ ملايين البراميل من النفط الخام على مدى سنوات. مثبتة بذلك جدارتها وقوتها حتى في نهاية عمرها.

الرحلة الأخيرة للسفينة.. والنهاية على الشاطئ

بحلول عام 2009، وبعد أكثر من ثلاثة عقود من الخدمة، كانت السفينة قد وصلت إلى نهاية رحلتها.

فقد بدأ هيكلها الضخم في التآكل، والتكنولوجيا التي كانت ذات يوم متقدمة أصبحت عتيقة.

تم بيعها كخردة إلى شركة أمبر للتطوير، لتبدأ بذلك فصلها الأخير في التاريخ البحري، بحسب التقرير.

كما تم تغيير اسمها للمرة الأخيرة إلى “Mont”، وهو الاسم الذي أبحرت تحته في رحلتها الوداعية. إلى أحد أشهر مواقع تفكيك السفن في العالم “ألانغ” في ولاية غوجارات بالهند.

بدء عملية التفكيك

في 22 ديسمبر 2009، رست على الشاطئ وبدأت عملية التفكيك ببطء واحترافية.

وقال التقرير إنه تم تفكيكها قطعة قطعة، مع الاستفادة من كل ما يمكن إعادة تدويره من فولاذ وأجهزة.

وبحلول عام 2010، كانت السفينة قد اختفت ماديًا من الوجود، لكن اسمها بقي محفورًا في كتب التاريخ والذاكرة البحرية العالمية.

لا تزال السفينة حتي الآن تخلد في البرامج الوثائقية، مثل ظهورها في برنامج “Extreme Machines” مع “جيريمي كلاركسون”.

كما تعرض صورها ونماذجها في المتاحف البحرية حول العالم، باعتبارها رمزًا لعصر كانت فيه الهندسة البحرية تتحدى المستحيل.

واليوم، وبينما تمضي صناعة الشحن قدمًا نحو مستقبل أكثر استدامة وتطورًا. تبقى “سي وايز جاينت” نقطة مرجعية في تاريخ القوة البحرية.