يُمثل ما يعرف بـ”أسطول الظل” و”الأسطول الرمادي” خطرًا كبيرًا على حركة التجارة العالمية في عام 2025؛ لانتهاكهما القانون الدولي، وعِظم مخاطرهما على الاقتصاد.
ناهيك عن خطر الحوادث والكوارث البحرية والبيئية؛ أي إنهما بمثابة جرس إنذار للمنظمة البحرية الدولية التي عليها وضع قوانين صارمة ضمن أولوياتها، تحد من هذا الخطر الذي يهدد العالم.
الغزو الروسي لأوكرانيا
بعد مرور نحو ثلاثة أعوام على غزو روسيا لأوكرانيا (24 فبراير 2022) لا تزال الصواريخ تُغرق السفن في البحر الأسود.
تستمر ممارسات الشحن “الخادعة” و”اللاقانونية” رغم وجود عقوبات شحن جديدة ومستمرة.
وقد ظهر مصطلحا “أسطول الظل” و”الأسطول الرمادي” منذ فرض الولايات المتحدة عقوبات في أكتوبر 2023 على روسيا، وإيران، والصين، وكوريا الشمالية؛ ما جعل استخدام الأساطيل الرمادية والظل يتزايد لنقل شحنات تلك الدول.
ويبلغ إجمالي النفط الخام والمنتجات النفطية الروسية التي يحملها الأسطولان “المظلم والرمادي” منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية أكثر من 142 مليون برميل يوميًا.
أي أن متوسط سعر سنوي يبلغ 77 دولارًا للبرميل من النفط الخام في عام 2023، تبلغ قيمته نحو 6 مليارات دولار.
وأهم ثلاث وجهات: الهند (أكثر من مليون برميل يوميًا)، والصين (ما يزيد على 700 ألف برميل يوميًا)، وتركيا (أكثر من 430 ألف برميل يوميًا).
الأسطول الرمادي
يُعد الأسطول الرمادي ظاهرة جديدة تمامًا، تطورت وتنامت منذ الحرب الروسية – الأوكرانية. حيث أُنشئت شركات خارجية بشكل سريع بعد اندلاع الحرب؛ لإخفاء أصول السفن وملكيتها، والظهور بمظهر الملتزم بالقانون.
وقد وُصِف هذا الأسطول بأنه “رمادي”؛ لصعوبة تحديد مدى قانونيته وامتثاله للعقوبات، بالتزامن مع تبديل عدد كبير من هذه السفن للأعلام، والتنقل من علم مواءمة إلى آخر بشكل متكرر؛ بهدف التضليل.
وأصبح يوجد أكثر من 1000 سفينة رمادية حول العالم، ولعلها تخطت هذا الرقم في الآونة الأخيرة.
الأسطول المظلم
أما الأسطول المظلم فيستخدِم غالبًا “الأنشطة المظلمة”؛ بمعنى: تعطيل نظام التعريف التلقائي عمدًا AIS؛ لنقل البضائع الرطبة السائلة، جنبًا إلى جنب ممارسات الشحن الخادعة والمضللة الأخرى؛ مثل: التلاعب بالهوية والموقع.
ويقال إن هناك 1300 سفينة ضمن الأسطول المظلم، بعد أن كان يقدر بنحو 600 سفينة في وقت سابق من الحرب، كانت ملكيتها غامضة ومصممة لإخفاء نقلها للبضائع الروسية الخاضعة للعقوبات منذ بداية الحرب الروسية.
وتضم الأساطيل الرمادية والمظلمة سفنًا تشكل خطرًا؛ بسبب الأنشطة التي يصعب اكتشافها غالبًا، والمتعلقة بمحاولات تهريب البضائع الرطبة من روسيا أو إيران أو فنزويلا، وغيرها.
الأسطول الرمادي والغزو الروسي
وكشفت شركة “فورتيكسا”، عن أن الأسطول الرمادي كان يحمل حوالي 1,4 مليون برميل يوميًا بعد عمليات الغزو الروسي لأوكرانيا، مع زيادة تدفق النفط الخام للأسطول المظلم بنسبة 19 %.
وتقدم شركة “فورتيكسا” خدمات استشارية متقدمة في مجال التحليلات الرقمية وإنترنت الأشياء.
وتشكل السفن القديمة نسبة كبيرة من سفن الأسطول الرمادية؛ إذ من الواضح أنها أُعيد استخدامها في الأسطول المحفوف بالمخاطر بعد بدء الحرب الروسية – الأوكرانية؛ وهو ما أكدته “فوكس نيوز” في مقال نشرته مؤخرًا.
ورغم أنه أسطول خفي- سواء الرمادي أو الظل- إلا أنه كوَّن سوقًا كبرى للناقلات القديمة، يزيد عمر العديد منها على 20 عامًا.
فعلى سبيل المثال: يبلغ متوسط عمر الناقلات التي تغادر ميناء كالينينجراد الروسي على بحر البلطيق الآن نحو 30 عامًا؛ ما يزيد من احتمال تعرضها لظروف سيئة، ويجعلها أكثر عرضة للحوادث والكوارث البحرية.
أعلام الملاءمة ولعبة الأساطيل
أما أعلام سفن الأسطول المظلم الخمس الأولى فهي: بنما وليبيريا وجزر مارشال وروسيا ومالطا، وليس غريبًا أن تكون أربع من هذه الدول مدرجة على قائمة أعلام الملاءمة.
ورغم أن روسيا كانت الأولى في فترات سابقة، ولكنها تراجعت إلى المرتبة الثالثة، وبدأت سفنها تبحر تحت أعلام أخرى.
كما أنه لا تبحر أي سفن من الأسطول الرمادي تحت العلم الإيراني.
وهذا يعني أن الأسطول المظلم يشكل 10 % من أسطول الشحن الرطب العالمي (أي الذي يحمل السوائل)، في حين يشكل الأسطول الرمادي 8 %.
وبما أنها تعمل خارج القواعد البحرية المعمول بها فإن سفن الظل لا تخضع للصيانة الدورية.
فيما تكشف حركة ناقلات النفط من روسيا عبر بحر البلطيق عن نشاط الأسطول الخفي، على الرغم من أن بعض ناقلات النفط التي تغادر الموانئ الروسية ليست سفنًا خفية.
وبدأت ست دول أخرى تحمل أعلام الملاءمة، وهي: جزر كوك، والجابون، والكاميرون، وبالاو. وسانت كيتس ونيفيس، وفيتنام، منذ عام 2021 في نقل النفط الخام الروسي.
كما تشير الرحلات تحت أعلام الملاءمة أو المواءمة إلى زيادة عمليات أسطول الظل.
“الجابون” كلمة السر في سفن الأسطول المظلم
أصبحت دولة الجابون الوجهة المفضلة للسفن المظلمة. فبحسب شركة “ستاندرد آند بورز جلوبال ماركت إنتليجنس” تضاعف حجم سجل السفن في الجابون خلال النصف الأول من عام 2023.
وتشير التقديرات إلى أن 98 % من الناقلات التي تبحر تحت علمها عالية المخاطر. أو ليس لها مالك يمكن التعرف عليه.
على سبيل المثال: يوم 20 فبراير 2023 واجهت ناقلتان من “أسطول الظل” صعوبات في خليج جبل طارق. واضطرتا إلى الاستعانة بقاطرات وسفينة إنقاذ.
حوادث سفن الأساطيل الرمادية والمظلمة
قبل بضعة أشهر من ذلك، اصطدمت الناقلة التي تحمل العلم الكوبي “بيتيون”. وكانت تنقل النفط الفنزويلي الخاضع للعقوبات. بسفينة أخرى قبالة سواحل كوبا.
وفي مارس 2022 جنحت الناقلة التي تحمل العلم البنمي “أرزويي” قبالة ميناء تشينجداو الصيني. وفي مايو 2023 اشتعلت النيران في الناقلة التي تحمل العلم الجابوني “بابلو” أمام سواحل ماليزيا.
وفيما تذكّر الحكومة الأمريكية البلدان والموانئ التي تستقبل سفن الظل بالتكاليف والأضرار البيئية التي قد تنتج عن ذلك. ولكن هذا لم يؤد إلى أي تغيير كبير في السلوك.
ففي أوائل ديسمبر 2023 فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية عقوبات على ثلاثة مشغلين وثلاث سفن. إذ كانت إحداها تتسكع في المياه الدولية قبالة مالطا. بينما فرضت المملكة المتحدة عقوبات على 21 سفينة.
ومع ذلك لا تزال السفن المظلمة قيد التشغيل تقريبًا، وطالما بقيت العقوبات الغربية ضد روسيا وإيران وكوريا الشمالية وغيرها من الدول. سيدخل المزيد من السفن إلى أسطول الظل.
موقف المنظمة البحرية الدولية
إذًا، ما موقف المنظمة البحرية الدولية تجاه تلك الكارثة التي تهدد حركة الملاحة الدولية. في ظل قرارات صارمة، أطلقتها؛ لإعادة تشكيل حركة الملاحة والسفن. وفي عصر الرقمنة واستخدام أدوات الثورة الصناعية الرابعة؟
قبل الاجتماع السنوي للمنظمة- في نوفمبر وديسمبر 2023- قدمت مجموعة من الدول الأعضاء. مشروع قرار ينص على اتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه مثل هذه الأساطيل.
لكن إيران اعترضت عليه، وعلى استخدام مصطلحات؛ مثل “السفينة المظلمة” أو “غير المشروعة”. باعتبارها غير محددة في القانون الدولي.
وفي النهاية اعتمدت جمعية المنظمة البحرية الدولية قرارًا يدعو الدول صاحبة الأعلام إلى الالتزام بالتدابير التي تحظر أو تنظم بشكل قانوني النقل من سفينة إلى أخرى.
ونص القرار على: “أن تتولى السفن تحديث خطط تشغيلها لعمليات النقل من سفينة إلى أخرى. وقيام الدول المينائية بإجراء عمليات تفتيش مكثفة على السفن المشبوهة”.
إننا نضع تلك القضية الشائكة بين يدي المنظمة البحرية الدولية من جديد. بعد أن ازداد خطر مثل هذه السفن.
وتعد هذه القضية تحديًا جديدًا أمام أهداف المنظمة مع بداية عام جديد. وانتهاكًا وتهديدًا صارخًا للقانون الدولي، وخطرًا أكبر على الدول الساحلية والمينائية.. فهل تتحرك المنظمة؟














