أدت التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط وما صاحبها من اضطرابات في إمدادات النفط عبر مضيق هرمز إلى موجة ارتفاعات حادة في أسعار الوقود البحري. وخاصة وقود الديزل البحري (MGO). ما دفع شركات الشحن العالمية إلى إعادة تقييم إستراتيجيات التزود بالوقود وسط مخاوف متزايدة بشأن أمن الإمدادات وتقلبات الأسعار.
وفي الوقت ذاته، بدأت أنواع الوقود البديلة منخفضة الانبعاثات تكتسب جاذبية اقتصادية أكبر. رغم تباطؤ التقدم التنظيمي المرتبط بخطط إزالة الكربون عقب تأجيل تطبيق آلية التسعير العالمية للكربون. ضمن إطار الحياد الصفري الذي تعمل المنظمة البحرية الدولية على تطويره.
الغاز الطبيعي المسال أكبر المستفيدين
ووفقًا لتحليلات أعدها بنك ING، المنشور اليوم، فإن استمرار ارتفاع أسعار النفط يعزز الجدوى الاقتصادية للوقود البديل، ولا سيما الوقود الاصطناعي مثل الميثانول والأمونيا. إلا أن الغاز الطبيعي المسال يبرز باعتباره المستفيد الأكبر على المدى القريب. نظرًا لتأثره المحدود نسبيًا بالأزمة مقارنة بالمنتجات النفطية.
ويعود ذلك إلى استمرار تدفقات الغاز من مصادر متنوعة، سواء عبر خطوط الأنابيب أو من خلال دخول طاقات إنتاجية جديدة إلى الأسواق. ما يحد من حدة التقلبات السعرية مقارنة بأسواق النفط.
الوقود البديل بين الاعتبارات الاقتصادية والمناخية
أشار التقرير إلى أن ارتفاع أسعار النفط لا يغير من متطلبات خفض الانبعاثات الكربونية، لكنه يؤثر بشكل مباشر على قرارات الاستثمار في الوقود البحري. فبينما لا تزال أنواع الوقود التقليدية مسؤولة عن مستويات مرتفعة من الانبعاثات. توفر البدائل مثل الغاز الطبيعي المسال والوقود الاصطناعي فرصًا لخفض البصمة الكربونية للأساطيل البحرية.
ومع ذلك، فإن تحقيق مكاسب بيئية حقيقية يتطلب استخدام النسخ الخضراء أو الزرقاء من الميثانول والأمونيا. إذ إن الاعتماد على الأنواع الرمادية المنتجة من الوقود الأحفوري قد يؤدي إلى تقليص الفوائد المناخية أو حتى زيادة الانبعاثات في بعض الحالات.
فروق كبيرة في تأثير الأزمة على أسعار الوقود
بحسب سيناريوهات التقرير، فإن استمرار اضطراب الملاحة وإمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز قد يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الديزل البحري بنحو 97 %. بينما قد تتجاوز الزيادة في أسعار زيت الوقود منخفض الكبريت حاجز 100 %.
في المقابل، من المتوقع أن يقتصر ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال على نحو 64 % فقط. ما يجعله خيارًا أكثر قدرة على الحد من المخاطر المرتبطة بتقلبات أسواق الطاقة العالمية. ويعزز مكانته كوقود انتقالي يجمع بين الجدوى الاقتصادية وتحسين الأداء البيئي.
الميثانول يواصل التوسع والأمونيا تنتظر المستقبل
يشهد الميثانول نموًا متسارعًا في قطاع الشحن البحري مقارنة بالأمونيا. مستفيدًا من سهولة دمجه في السفن والمحركات الحالية، وانخفاض تعقيدات التخزين والتزويد بالوقود مقارنة بالأمونيا.
كما يمنح الميثانول شركات الشحن مرونة تشغيلية أكبر، إذ يمكن للسفن استخدام الوقود التقليدي حاليًا والتحول تدريجيًا إلى الميثانول منخفض الكربون مع زيادة توافره مستقبلاً.
ورغم ذلك، يظل الميثانول وقودًا يحتوي على الكربون، ما يجعل فوائده البيئية مرتبطة بطريقة إنتاجه. بينما تحتفظ الأمونيا بجاذبية طويلة الأجل لكونها لا تنتج انبعاثات كربونية مباشرة أثناء التشغيل، رغم ارتفاع تكلفتها وتعقيد متطلبات السلامة الخاصة بها.
الميثانول الأزرق خيار انتقالي واقعي
اعتبر التقرير أن الميثانول الأزرق قد يمثل الحل الأكثر قابلية للتطبيق خلال السنوات المقبلة. نظرًا لاعتماده على الغاز الطبيعي المقترن بتقنيات احتجاز الكربون. وهو ما يمنحه فرصًا أفضل للتوسع التجاري مقارنة بالميثانول الأخضر الذي يعتمد على الهيدروجين المنتج من مصادر متجددة.
أما الأمونيا، فما زالت تعتبر خيارًا إستراتيجيًا طويل الأجل. ومن المتوقع أن تتحسن قدرتها التنافسية مع تطور التكنولوجيا وانخفاض تكاليف الإنتاج وتوسع تطبيق آليات تسعير الكربون عالميًا.
مرونة مستقبلية تدعم الاستثمار في سفن الغاز الطبيعي المسال
أكد التقرير أن الغاز الطبيعي المسال يحتفظ حاليًا بأفضلية واضحة بين بدائل الوقود البحري، بفضل توازنه بين التكلفة والانبعاثات وأمن الإمدادات.
كما يمنح ملاك السفن مرونة مستقبلية مهمة. إذ يمكن تعديل العديد من السفن العاملة به لاحقًا لتشغيلها بالأمونيا عند نضوج التقنيات وتوافر الوقود على نطاق أوسع.
الضبابية التنظيمية تبطئ الطلبات الجديدة
ورغم استمرار نمو الأسطول العالمي القادر على استخدام الوقود البديل، فإن وتيرة طلبات بناء السفن الجديدة. شهدت تباطؤًا خلال عام 2025 نتيجة حالة عدم اليقين التنظيمي.
ومع ذلك، لا يزال الغاز الطبيعي المسال يتصدر قائمة الوقود البديل في دفاتر طلبات البناء الجديدة، يليه الميثانول. خاصة لدى شركات الحاويات الكبرى التي تسعى إلى الحفاظ على أكبر قدر ممكن من المرونة التشغيلية والاستثمارية.
موازنة بين التكلفة وأمن الإمدادات والأهداف المناخية
وأوضح التقرير أن مستقبل الوقود البحري سيتحدد وفق موازنة دقيقة بين ثلاثة عوامل رئيسية تتمثل في التكلفة، وأمن الإمدادات، ومتطلبات خفض الانبعاثات.
وفي ظل استمرار المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز. يتوقع أن تركز شركات الشحن بشكل أكبر على تعزيز مرونتها التشغيلية من خلال الاستثمار في السفن ثنائية الوقود، وتنويع مصادر التزود بالوقود، وإبرام عقود أكثر مرونة. بما يساعدها على مواجهة تقلبات الأسواق وتحقيق أهداف الاستدامة في الوقت ذاته.













