شهدت أسواق ناقلات النفط خلال السنوات الأربع الماضية تحولات جذرية بفعل سلسلة من الصدمات الجيوسياسية التي أعادت رسم خريطة تدفقات الطاقة العالمية. ولم تعد تقلبات أسعار الشحن مرتبطة فقط بالدورات التقليدية للعرض والطلب. بل أصبحت تتأثر بصورة متزايدة بحالات عدم الكفاءة الناتجة عن إعادة توجيه التجارة وتغير مسارات الملاحة.
فمنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، مرورًا بأزمة البحر الأحمر، وصولًا إلى الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز. دخل قطاع الناقلات مرحلة جديدة تتسم بزيادة مسافات النقل البحرية وارتفاع الطلب على السفن نتيجة تشظي التدفقات التجارية العالمية.
جاء ذلك بحسب أحدث تقرير لـ Vortexa. وهي شركة متخصصة في تحليلات وأسواق الطاقة والشحن البحري، وتوفر بيانات فورية عن حركة النفط والغاز والمنتجات البترولية حول العالم.
الحرب الروسية الأوكرانية تعيد تشكيل تجارة النفط العالمية
شكل الغزو الروسي لأوكرانيا نقطة التحول الرئيسية الأولى في أسواق الناقلات. إذ أدت العقوبات الغربية المفروضة على النفط الروسي إلى إعادة توزيع واسعة لتدفقات النفط الخام والمنتجات النفطية اعتبارًا من عام 2023.
فقد اتجهت الصادرات الروسية بشكل متزايد نحو الأسواق الآسيوية. وعلى رأسها الصين والهند. بينما عززت أوروبا اعتمادها على الإمدادات القادمة من منطقة الأطلسي لتعويض الإمدادات الروسية المفقودة.
وفي قطاع المنتجات النفطية، شهدت تجارة الديزل والمقطرات الوسطى تحولات كبيرة. حيث تحولت الشحنات الروسية إلى وجهات أبعد مثل البرازيل وغرب أفريقيا. بينما لجأت أوروبا إلى استيراد احتياجاتها من الشرق الأوسط والهند والولايات المتحدة.
وأدى انهيار التجارة التقليدية قصيرة المسافة بين روسيا وشمال غرب أوروبا إلى زيادة ملحوظة في أطوال الرحلات البحرية. سواء بالنسبة للصادرات الروسية أو للواردات الأوروبية.
أزمة البحر الأحمر تضاعف مسافات الإبحار
جاءت الصدمة الثانية مع تصاعد الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر مطلع عام 2024. ما أجبر العديد من السفن على تجنب المرور عبر مضيق باب المندب وقناة السويس.
ورغم أن أنماط التجارة الأساسية لم تتغير بشكل جذري، فإن مسارات الإبحار شهدت تحولًا كبيرًا نحو طريق رأس الرجاء الصالح. الأمر الذي ضاعف فعليًا مسافات الرحلات بين الشرق والغرب.
وكانت ناقلات المنتجات النفطية النظيفة الأكثر تأثرًا بهذه التطورات. خصوصًا في ظل اعتماد أوروبا المتزايد على واردات وقود الطائرات والديزل من الشرق الأوسط والهند، مع محدودية البدائل المتاحة.
وأدى ذلك إلى ارتفاع أرباح ناقلات المنتجات النفطية بوتيرة تفوقت على ناقلات النفط الخام. حتى إن بعض الرحلات باستخدام الناقلات العملاقة أصبحت مجدية اقتصاديًا لنقل المنتجات المكررة.
الأسطول المظلم يزيد اختلالات السوق
لم تقتصر آثار التوترات الجيوسياسية على إطالة مسافات النقل فقط، بل ساهمت أيضًا في ظهور ما يعرف بـ«أسطول الظل». وهو مجموعة السفن التي تعمل خارج منظومة التجارة التقليدية لتلبية احتياجات الدول الخاضعة للعقوبات أو المتعاملة معها.
ومع تشديد تطبيق العقوبات خلال عام 2025، انتقل عدد متزايد من السفن القديمة إلى هذا القطاع. ما أدى إلى تقليص عدد السفن المتاحة في السوق التقليدية.
وبحلول أوائل عام 2026، أصبحت نسبة كبيرة من ناقلات سويس ماكس وأفراماكس وناقلات المنتجات النفطية طويلة المدى تعمل خارج السوق التقليدية. وهو ما أسهم في تشديد المعروض المتاح ودعم أسعار الشحن.
نمو إنتاج النفط في الأمريكتين يعزز الرحلات الطويلة
إلى جانب العوامل الجيوسياسية، لعبت الزيادة المستمرة في إنتاج النفط بالأمريكتين دورًا مهمًا في إعادة تشكيل أسواق الناقلات.
فقد أدت التوسعات الإنتاجية في البرازيل وغيانا والأرجنتين إلى مضاعفة صادرات النفط الخام تقريبًا خلال السنوات الخمس الماضية. لتصل إلى نحو 3.5 مليون برميل يوميًا في عام 2026.
ويتجه الجزء الأكبر من هذه الصادرات إلى آسيا وأوروبا، ما أدى إلى ارتفاع كبير في الطلب على الرحلات الطويلة. خاصة بالنسبة لناقلات سويس ماكس والناقلات العملاقة.
كما ساهم توسع خط أنابيب ترانس ماونتن الكندي في خلق فرص تشغيل إضافية لناقلات أفراماكس على خطوط النقل الطويلة بين أمريكا الشمالية والأسواق الآسيوية.
تغييرات التكرير تعيد رسم خريطة المنتجات النفطية
شهد قطاع المنتجات النفطية بدوره تحولات كبيرة نتيجة التغيرات في قدرات التكرير العالمية.
ففي المكسيك، ساهم تشغيل مصفاة دوس بوكاس في تقليص الاعتماد على الواردات الأمريكية، بينما أدت إغلاقات عدد من المصافي على الساحل الغربي للولايات المتحدة إلى زيادة الحاجة لاستيراد المنتجات النفطية من آسيا ومنطقة الكاريبي.
وأدى ذلك إلى نمو ملحوظ في الطلب على ناقلات المنتجات النفطية المتوسطة، مع ارتفاع الطلب على النقل البحري المقاس بالطن-ميل بنحو 30 % خلال السنوات الخمس الماضية.
اضطرابات مضيق هرمز تضيف موجة جديدة من عدم اليقين
في الآونة الأخيرة، أضافت التوترات المرتبطة بمضيق هرمز بعدًا جديدًا من الضبابية إلى أسواق الناقلات، بحسب التقرير.
وقد دفعت القيود المفروضة على الإمدادات الخليجية العديد من المشترين الآسيويين إلى زيادة الاعتماد على خامات حوض الأطلسي. ما أدى إلى ارتفاع الطلب على الرحلات الطويلة وتشديد توافر السفن.
إلا أن استمرار الاضطرابات لفترات طويلة قد يحمل آثارًا سلبية على السوق. إذ إن فقدان جزء كبير من صادرات الشرق الأوسط قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية بصورة تؤثر على الاستهلاك وتقلص حجم التجارة البحرية.
وأشار التقرير إلى أن استمرار الأزمة خلال الأشهر المقبلة قد يؤدي إلى تراجع الطلب على النقل البحري للناقلات العملاقة بنسبة تتراوح بين 15 % و20 %. بينما قد ينخفض الطلب على ناقلات المنتجات النفطية بنحو 7%.
نمو الصادرات الأمريكية واللاتينية يدعم الطلب طويل الأجل
رغم التحديات الحالية، نوه التقرير إلى استمرار نمو الطلب الهيكلي على الناقلات خلال السنوات المقبلة. متوقعًا أن تواصل دول أمريكا الجنوبية، وخاصة البرازيل والأرجنتين، زيادة صادراتها النفطية بدعم من مشاريع الإنتاج البحرية الجديدة وتوسعات البنية التحتية.
كما أن عودة الإمدادات الفنزويلية تدريجيًا إلى الأسواق التقليدية بعد تخفيف بعض القيود الأمريكية قد توفر كميات إضافية كبيرة من النفط الخام خلال العقد المقبل.
وفي المقابل، تظل فرص نمو الإمدادات محدودة نسبيًا في مناطق أخرى من العالم باستثناء بعض دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات.
تحولات التكرير العالمية تعزز الطلب على الناقلات
تشير التوقعات أيضًا إلى دخول أكثر من مليون برميل يوميًا من الطاقات التكريرية الجديدة الصافية خلال عام 2026.
وتتركز معظم الطاقات الجديدة في آسيا ومنطقة الشرق الأوسط، بينما تتركز عمليات إغلاق المصافي في أوروبا وأمريكا الشمالية. ما يعني زيادة الحاجة إلى نقل المنتجات النفطية لمسافات أطول بين مناطق الإنتاج والاستهلاك.
ومن شأن هذا التحول أن يعزز الطلب على الناقلات الكبيرة المستخدمة في الرحلات العابرة للقارات. إلى جانب السفن الأصغر التي تتولى عمليات التوزيع الإقليمي.
الرحلات الطويلة أصبحت سمة دائمة لسوق الناقلات
قال التقرير إن أسواق ناقلات النفط تتجه نحو مرحلة جديدة تقوم على الرحلات البحرية الأطول باعتبارها جزءًا دائمًا من هيكل التجارة العالمية، وليس مجرد استجابة مؤقتة للأزمات الجيوسياسية.
فمع استمرار نمو الإنتاج النفطي في الأمريكتين، وتمركز الطلب في أوروبا وآسيا، وتغير مواقع التكرير العالمية. تزداد الحاجة إلى نقل النفط الخام والمنتجات النفطية عبر مسافات أطول.
وفي ظل هذه المتغيرات، يبدو أن الطلب على تشغيل الناقلات سيظل مدعومًا على المدى الطويل، حتى مع تراجع بعض الاضطرابات الجيوسياسية الحالية. ما يعزز مكانة قطاع النقل البحري للنفط كأحد أبرز المستفيدين من إعادة تشكيل خريطة تجارة الطاقة العالمية.













