في ظل التوترات المتصاعدة التي يشهدها مضيق هرمز، وما ترتب عليها من اضطرابات في حركة التجارة العالمية، تتحرك المملكة بهدوء ولكن برؤية استراتيجية بعيدة المدى. تستهدف إنشاء بديل فعلي لمسارات الشحن التقليدية التي أصبحت عرضة للمخاطر الجيوسياسية.
وجاء ذلك بحسب تصريحات المستشار علي سومر أوغلو، عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي “تيك توك” الجمعة. وهو شخصية قانونية تركية، يشتهر بعمله في المجال القضائي والقانوني داخل تركيا.
ممر بديل يجمع بين النقل البحري والبري
تعتمد الخطة على إنشاء ممر لوجستي متكامل يبدأ من أوروبا؛ إذ يتم نقل البضائع عبر سفن الرورو (RO-RO) إلى موانئ مصر المطلة على البحر الأحمر، وعلى رأسها ميناء سفاجا وميناء دمياط.
ومن هناك، يتم نقل الشحنات إما بريًا أو عبر مسارات بحرية قصيرة إلى داخل المملكة، وصولًا إلى “نيوم”، التي تمثل نقطة الارتكاز الرئيسة في هذا المشروع.
وبمجرد وصول البضائع إلى نيوم، يتم توزيعها مباشرة إلى أسواق الخليج، بما يشمل الإمارات والكويت وجنوب العراق وسلطنة عمان. ما يوفر مسارًا بديلًا سريعًا وأكثر أمانًا مقارنة بالطرق التقليدية التي تمر عبر مناطق التوتر.
تقليل الزمن وزيادة المرونة التشغيلية
يساهم هذا الممر الجديد في تقليص زمن الشحن بشكل ملحوظ، خاصة في ظل تجنب الدوران عبر مسارات طويلة أو الانتظار في مناطق مزدحمة أو غير مستقرة.
كما يمنح الشركات مرونة أكبر في التعامل مع الشحنات الحساسة أو العاجلة، ويقلل من الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية العالمية.
وتبرز أهمية هذا النموذج بشكل خاص في أوقات الأزمات؛ حيث يوفر بديلًا عمليًا يمكن الاعتماد عليه لضمان استمرار تدفق البضائع دون انقطاع.
نيوم وأوكساجون.. منصة لوجستية وصناعية متكاملة
ويقف مشروع أوكساجون في قلب هذه الاستراتيجية، حيث يمثل مدينة صناعية لوجستية متطورة تعتمد على أحدث التقنيات. بما في ذلك الأتمتة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تشغيلها بالطاقة المتجددة.
ولا يقتصر دور أوكساجون على كونه ميناءً أو منطقة تخزين؛ بل يشكل منظومة متكاملة تربط بين التصنيع والتوزيع والخدمات اللوجستية. ما يعزز من كفاءة سلاسل الإمداد ويقلل من تكاليف التشغيل.
كما أن موقعه على البحر الأحمر يمنحه ميزة استراتيجية، إذ يربط بين ثلاث قارات رئيسة: آسيا وأفريقيا وأوروبا؛ ما يجعله نقطة محورية لإعادة توجيه حركة التجارة العالمية.
طموحات ضخمة في الطاقة الاستيعابية
تعكس الأرقام حجم الرؤية السعودية في هذا المشروع؛ إذ تبلغ الطاقة التشغيلية الحالية نحو 1.5 مليون حاوية سنويًا. مع خطط طموحة لرفعها إلى 12 مليون حاوية في المستقبل.
لا يشير هذا التوسع فقط إلى تطوير ميناء، بل إلى بناء مركز لوجستي عالمي قادر على استيعاب جزء كبير من حركة التجارة الدولية، والتحكم في تدفق البضائع عبر المنطقة.
استجابة استباقية لاضطرابات سلاسل الإمداد
ويأتي إطلاق هذا الممر في توقيت يشهد فيه العالم تحديات غير مسبوقة في سلاسل الإمداد، سواء بسبب التوترات في البحر الأحمر أو الإغلاق الجزئي للممرات الحيوية مثل مضيق هرمز.
ويعكس هذا التحرك نهجًا استباقيًا من المملكة، حيث لا تكتفي بالتفاعل مع الأزمات؛ بل تعمل على بناء بدائل استراتيجية تضمن استمرارية التجارة وتقليل التأثر بالمتغيرات السياسية.
إعادة توزيع النفوذ التجاري في المنطقة
لا يقتصر تأثير هذا المشروع على الجانب اللوجستي فقط، بل يمتد ليشمل إعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية في المنطقة. فمن خلال هذا الممر، تتحول نيوم إلى بوابة جديدة للتجارة، قادرة على تقليص الزمن، وخفض التكاليف، وتعزيز كفاءة النقل.
كما يعزز المشروع من قدرة المملكة على لعب دور محوري في حركة التجارة العالمية، ويدعم طموحاتها في أن تصبح مركزًا لوجستيًا يربط بين القارات الثلاث. بما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
نقلة نوعية في مفهوم الممرات التجارية
ويمثل هذا المشروع تحولًا في مفهوم الممرات التجارية التقليدية. حيث لم تعد تعتمد فقط على النقل البحري الطويل؛ بل أصبحت قائمة على التكامل بين أنماط النقل المختلفة، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة لتسريع العمليات وتحسين الكفاءة.
ومع استمرار التحديات الجيوسياسية، قد يصبح هذا النموذج أحد أهم الحلول المستقبلية لضمان استقرار التجارة العالمية واستدامتها.













