تدخل سوق الشحن الجاف عام 2026 وسط أجواء أكثر هدوءًا مقارنة بعام 2025، الذي اتسم بحدة الاضطرابات الجيوسياسية وارتفاع مستويات عدم اليقين التجاري.
وألقت هذه العوامل بظلالها على معنويات السوق وأضعفت وضوح الرؤية، رغم أن أساسيات العرض والطلب لم تتعرض لخلل جوهري.
ووفق أحدث تقرير لمؤشر الحاويات العالمي لمؤسسة “دروري” (Drewry)، فإن التحسن المرتقب في عام 2026 يستند إلى استقرار نسبي بدأ بالفعل في النصف الثاني من 2025، مدعومًا بتراجع التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين.
إلى جانب تخفيف سياسة مكتب الممثل التجاري الأمريكي، ما خفف من احتمالات فرض رسوم جمركية مفاجئة قد تربك تدفقات السلع العالمية، بحسب التقرير.
ومع انحسار الضغوط الاقتصادية الكلية تدريجيًا، تعود العوامل الأساسية لتلعب دورها الطبيعي في تشكيل اتجاهات السوق، ما يضع قطاع الشحن الجاف في موقع أكثر توازنًا مع بداية 2026.
وبينما تشير المؤشرات إلى تحسن معتدل في مستويات النوالين، لا تزال هناك مجموعة من العوامل الداعمة للصعود تقابلها مخاطر هبوطية قد تحد من قوة هذا التعافي.
نمو تجارة البوكسيت يدعم آفاق سفن الكيب سايز في 2026
التوقعات تشير إلى أن صادرات البوكسيت العالمية ستسجل نموًا قويًا خلال عام 2026، بزيادة تقدر بنحو 8.6 %، مدفوعة بالطلب المتزايد من الصين وأوروبا، في ظل استمرار الاعتماد على الألومنيوم في قطاعات صناعية متعددة.
وعززت غينيا مكانتها كمصدر رئيسي، بعدما سجلت صادرات قياسية خلال النصف الثاني من 2025، مستفيدة من الطلب القوي على الألومنيوم في السوق الصينية.
وتسعى غينيا إلى زيادة طاقتها الإنتاجية خلال الفترة المقبلة، ما يدعم آفاق نمو صادراتها، غير أن هذه الزيادة تحمل في طياتها بعض المخاطر.
ويؤدي ارتفاع المعروض العالمي إلى ضغوط على الأسعار، خاصة مع دخول إنتاج جديد من إندونيسيا وأستراليا إلى السوق.
وفي هذا السياق، تستعد أستراليا لرفع إنتاجها من البوكسيت خلال 2026 و2027، حيث من المتوقع أن يتراوح إنتاج شركة «ريو تينتو» وحدها بين 57 و59 مليون طن في 2025.
ورغم الدعم الذي يوفره التوسع في مشروعات البنية التحتية الخضراء، وتزايد استخدام الألومنيوم في صناعة المركبات الكهربائية، فإن السوق لا يزال يواجه تحديات مرتبطة بفائض المعروض وتراجع أسعار الألومينا.
في المقابل، من المتوقع أن تسهم زيادة واردات الهند من البوكسيت، مدفوعة بنمو قطاع الألومنيوم المحلي، في تعزيز الطلب خلال 2025 و2026، وفق ما ورد في التقرير.
فول الصويا يقود دفعة قوية في تجارة الحبوب
تلعب أمريكا الجنوبية دورًا محوريًا في دعم الطلب على الشحن الجاف خلال 2026، مع التوقعات بتسجيل محصول قياسي من فول الصويا في البرازيل لموسم 2025–2026، يبلغ نحو 178 مليون طن.
ويعود ذلك إلى التقدم السريع في عمليات الزراعة، حيث تم الانتهاء من زراعة 14 % من المساحات بحلول منتصف أكتوبر، وهو من بين أسرع المعدلات المسجلة تاريخيًا.
ويمنح هذا التبكير في الزراعة البرازيل أفضلية واضحة في تصدير فول الصويا خلال الربع الأول من 2026، ما ينعكس إيجابًا على الطلب على سفن الباناماكس والسوبرا ماكس.
وفي الأرجنتين، ساهم قرار الحكومة تعليق الرسوم على الصادرات مؤقتًا في إنعاش حركة التصدير.
وأشارت تقديرات بورصة الحبوب في بوينس آيرس ومؤسسة Oil World إلى أن صادرات فول الصويا قد تصل إلى 12.6 مليون طن في موسم 2025–2026، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف صادرات العام السابق.
وتستحوذ الصين على أكثر من 85 % من هذه الشحنات، ما يعزز دور فول الصويا كأحد أعمدة الطلب المستقر في سوق الشحن الجاف خلال العام المقبل.
توسع صناعة الصلب في الهند يعزز الطلب على فحم الكوك
من المتوقع أن يظل الطلب الهندي على فحم الكوك أحد أكثر محركات الصعود ثباتًا في سوق الشحن الجاف خلال 2026، في ظل التوسع المتواصل في إنتاج الصلب ودخول مشروعات جديدة لأفران الصهر حيز التشغيل.
ومع محدودية جودة الفحم المحلي المستخدم في صناعة الصلب، تزداد حاجة الهند إلى الاعتماد على الواردات.
وأشارت التقديرات إلى أن واردات فحم الكوك ستصل إلى مستويات قياسية خلال 2025، ما يوفر قاعدة قوية لاستمرار الزخم في 2026.
كما أن التوسعات الكبرى، مثل مشروع توسعة مصنع كالينغاناغار التابع لشركة «تاتا ستيل»، إلى جانب المشروعات الجديدة لشركتي JSPL وSAIL، ستؤدي إلى زيادة ملموسة في الطلب على الواردات من أستراليا والولايات المتحدة وروسيا وجنوب أفريقيا.
موجة تسليم السفن الجديدة تضغط على توازن السوق
رغم العوامل الداعمة، يواجه سوق الشحن الجاف في 2026 ضغطًا هيكليًا يتمثل في التدفق الكبير للسفن الجديدة؛ حيث من المتوقع تسليم أكثر من 600 سفينة خلال العام، وهو أعلى معدل إضافة للطاقة الاستيعابية منذ أكثر من عشر سنوات.
وتتركز هذه الزيادات بشكل أساسي في فئات السفن متوسطة الحجم، التي وصلت طلباتها السابقة إلى مرحلة التسليم، بحسب التقرير.
وبما أن هذه السفن مرتبطة بعقود ملزمة مع أحواض البناء، فإن دخولها الخدمة سيتم بغض النظر عن ظروف السوق.
ويعني هذا ارتفاعًا ملحوظًا في المعروض في وقت ينمو فيه الطلب بوتيرة مستقرة، وهو ما قد يحد من قدرة السوق على تحقيق مكاسب سعرية قوية.
خام الحديد: مساهمة محدودة من الهند وغينيا في 2026
على الرغم من الأداء الإيجابي لواردات الهند من خام الحديد خلال 2025، فإن الكميات تظل محدودة نسبيًا، ولا يتوقع أن يكون لها تأثير جوهري على الطلب العالمي في 2026.
وبالمثل، فإن مشروع سيماندو العملاق في غينيا، ورغم أهميته الهيكلية على المدى الطويل، سيظل في مرحلة التشغيل التدريجي خلال 2026، مع بدء شحنات أولية لا ترقى إلى مستوى إحداث تغيير جوهري في سوق سفن الكيب سايز.
استقرار البحر الأحمر قد يعيد طاقات كبيرة إلى السوق
يمثل وقف إطلاق النار في البحر الأحمر أحد أبرز المخاطر الهبوطية المحتملة في 2026، إذ أدى تراجع الهجمات وتحسن الأوضاع الأمنية حول قناة السويس إلى عودة تدريجية لحركة السفن، لا سيما فئات الباناماكس والسوبرا ماكس.
وإذا استمر هذا الاستقرار، فقد تعود حركة الملاحة عبر السويس إلى طبيعتها الكاملة، ما يلغي الحاجة إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح.
وسيؤدي ذلك إلى تقليص مسافات الرحلات وتقليل «أميال الطن» التي دعمت أسعار النوالين خلال 2024 و2025، وهو ما قد يخفف من حالة ضيق المعروض ويمارس ضغوطًا هبوطية على أسعار الإيجار في العام المقبل.
نظرة عامة: سوق أكثر هدوءًا ولكن بلا اندفاع قوي
في المحصلة، يتجه سوق الشحن الجاف في 2026 إلى مرحلة أكثر توازنًا واستقرارًا مقارنة بعام 2025 شديد التقلب، مدعومًا بأساسيات تجارية أكثر وضوحًا وتراجع نسبي في حدة التوترات الجيوسياسية.
وأوضح التقرير أن وفرة المعروض المحتملة واستقرار الممرات الملاحية الرئيسية قد تحد من قوة أي صعود حاد، ليبقى السوق في مسار تحسن معتدل، تحكمه معادلة دقيقة بين نمو الطلب وضغوط العرض.













