شهد النصف الثاني من عام 2025، تقلبات حادة في أسواق ناقلات النفط، ليكمل العام استثنائيًا اتسم بكثافة الأحداث وتعقيد التوقعات.
بعد أن ركزت مراجعة النصف الأول على الدور المحوري للولايات المتحدة، جاء النصف الثاني مثقلًا بالاضطرابات الجيوسياسية.
لكن ما سيبقى عالقًا في ذاكرة السوق هو الارتفاع القوي وغير المسبوق في أسعار شحن النفط الخام خلال الربع الرابع من 2025.
بينما حافظت أسواق ناقلات المنتجات النظيفة على درجة من الاستقرار، دون بلوغ مستويات القوة التي شهدتها عامي 2023 و2024.
جاء ذلك بحسب أحدث تقرير لشركة جيبسون سماسرة السفن، وهي شركة عالمية متخصصة في سمسرة السفن والخدمات الاستشارية بقطاع الشحن البحري.
الصراع في أوكرانيا وأثر العقوبات في روسيا
ظل الصراع الروسي الأوكراني العامل الأكثر تأثيرًا في السوق، مع تصعيد العقوبات الغربية على روسيا.
في يوليو الماضي، أقر الاتحاد الأوروبي الحزمة الثامنة عشرة من العقوبات، مستهدفًا أكثر من مئة سفينة وخافضًا سقف سعر النفط الروسي.
وقد أدى ذلك إلى تقييد وصول الناقلات التقليدية إلى الأسواق الروسية، بحسب تقرير جيبسون.
وتبع ذلك إعلان حظر واردات المنتجات النفطية المكررة من روسيا اعتبارًا من يناير، ما زاد حالة الارتباك في تدفقات التجارة الدولية.
رغم ذلك، استمرت صادرات النفط الروسي إلى الهند، فيما امتصت الصين أي تراجع محتمل، بينما خفضت المصافي التركية وارداتها.
وفي الوقت ذاته، ساهمت الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيرة على البنية التحتية للطاقة الروسية في تقليص صادرات المنتجات المكررة خلال الربع الرابع، مقابل ارتفاع صادرات الخام من الموانئ الغربية.
تصاعد الاضطرابات في الربع الرابع
مع دخول الربع الأخير، زادت حدة الاضطرابات بعد إدراج شركات روسية كبرى على قوائم العقوبات واستهداف مصافٍ صينية وعدد من السفن.
دفع هذا المشهد مصافي الصين والهند للبحث عن إمدادات بديلة، لتبرز دول الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية كمصادر رئيسة.
وتسبب هذا في إطالة مسافات النقل ودعم أسعار الشحن، خصوصًا أسطول ناقلات VLCC.
في الوقت نفسه، ومع تشديد العقوبات على إيران وزيادة إمدادات أوبك+، وصلت كميات النفط والمنتجات المتداولة بحرًا إلى مستويات غير مسبوقة منذ جائحة كورونا، ما انعكس مباشرة على قفز أسعار الشحن.
التوترات الأمريكية والصينية وتأثيرها في السوق
لعبت السياسات الأمريكية دورًا بارزًا في زيادة تقلبات السوق. فخطة إدارة ترامب لمواجهة النفوذ البحري الصيني.
بالإضافة إلى فرض الرسوم على السفن الصينية، أدت إلى ردود فعل مماثلة من بكين حدت من حركة التجارة، وفقًا للتقرير.
انعكس هذا التوتر على سوق VLCC، حيث تراجع المعروض المتاح للصين وارتفعت الأسعار مؤقتًا، قبل أن تهدأ الأوضاع نسبيًا بعد تعليق الرسوم إثر لقاء الرئيسين الأمريكي والصيني.
مع استمرار العقوبات على إيران، ثم تشديد القيود على فنزويلا في نهاية العام، بما شمل حظرًا فعليًا على صادراتها النفطية. ازداد حالة عدم اليقين وارتفعت مستويات الشحن إلى حدود قياسية.
السياسات البيئية: ضبابية تؤثر في الاستثمار
شهدت الفترة أيضًا غموضًا على صعيد السياسات البيئية، بعد تأجيل التصويت على إطار المنظمة البحرية الدولية للوصول إلى الحياد الكربوني، نتيجة معارضة أمريكية قوية.
وألقى هذا التأجيل بظلاله على قرارات الاستثمار والتشغيل في قطاع الناقلات. مع مخاوف متزايدة بشأن الالتزام المستقبلي بالمعايير البيئية الجديدة.
البحر الأحمر وقناة السويس: عودة تدريجية للنشاط
جغرافيًا، شهد البحر الأحمر عودة تدريجية لحركة الناقلات رغم أنها بقيت دون مستويات ما قبل الأزمة.
ورغم تجدد بعض الهجمات خلال الصيف، فإن إعلان الحوثيين وقف استهداف الشحن التجاري عقب وقف إطلاق النار في أكتوبر شجع شركات الشحن الكبرى على اختبار العودة إلى هذا المسار؛ ما أعطى إشارات إيجابية لاستعادة جزئية لتجارة المنطقة وقناة السويس.
العوامل الاقتصادية وأسعار الشحن
اقتصاديًا، كان الحديث عن فائض نفطي محتمل أحد أبرز سمات عام 2025. إذ تراجعت أسعار النفط تدريجيًا على مدار العام، مع توقع انخفاض ملحوظ مقارنة ببدايته.
ومع ذلك، خلق تزامن زيادة إمدادات أوبك+ مع أعمال صيانة المصافي في الربعين الثالث والرابع طلبًا قويًا على ناقلات الخام.
وبالتالي ارتفعت أسعار الشحن بقوة، لا سيما أسطول VLCC الذي سجل أعلى أرباح له منذ الجائحة، إلى جانب أداء قوي لناقلات Suezmax وAframax.
وفي سوق المنتجات النظيفة، رغم وفرة الخام، عانى السوق من ضيق المعروض نتيجة مشكلات تشغيلية في عدد من المصافي الكبرى وإغلاقات في الغرب.
وساهم هذا في رفع هوامش التكرير ودعم تشغيل المصافي إلى مستويات قياسية، وانعكس إيجابًا على أسعار شحن ناقلات المنتجات.
الأسطول والطلبات الجديدة
على مستوى الأسطول، تباطأت طلبات بناء الناقلات الجديدة بشكل واضح مقارنة بعام 2024، في حين تسارعت وتيرة التسليمات، مع ارتفاع متوسط أعمار السفن.
كما توسع الأسطول الخاضع للعقوبات، واستمرت حركة شراء الناقلات القديمة للأساطيل غير التقليدية، بحسب التقرير.
يأتي هذا في وقت شهدت فيه أسعار الأصول تباينًا بين انخفاض القيم المستعملة، وثبات أسعار البناء الجديد.
فترة استثنائية ومستقبل غير مؤكد
يخلص المشهد العام للنصف الثاني من 2025 إلى أن أسواق الناقلات عاشت فترة استثنائية اختلطت فيها العوامل الجيوسياسية بالاقتصادية والتنظيمية.
وأدى ذلك إلى مستويات مرتفعة من أسعار الشحن، خصوصًا في سوق النفط الخام. وفي الوقت نفسه، استمرت حالة عدم اليقين التي من المرجح أن تمتد تأثيراتها إلى عام 2026. ويلزم ذلك ضرورة مراقبة التطورات الجيوسياسية والتجارية والبيئية لتحديد اتجاهات السوق المستقبلية.












