شهد سوق ناقلات النفط ارتفاعًا ملحوظًا في الأسابيع الأخيرة نتيجة سلسلة من التطورات الجيوسياسية المتصاعدة، خصوصًا في منطقة البحر الأسود. حيث أدى تجدد التوتر بين أوكرانيا وروسيا إلى تعزيز حالة عدم اليقين في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية.
وأشار أحدث تقرير لشركة السمسرة البحرية Intermodal إلى أن الجغرافيا السياسية عادت لتفرض نفسها بقوة عام 2025 مع تصاعد الأعمال العدائية بين البلدين.
يأتي هذا على خلفية الهجوم الذي شنته أوكرانيا باستخدام صواريخ كروز وطائرات مسيّرة استهدف مرافق تحميل النفط في ميناء نوفوروسيسك. ما أدى إلى توقف وجيز للعمليات وتأثير مؤقت على محطة CPC المجاورة.
وردت روسيا بتنفيذ ضربة بطائرات مسيّرة على أوديسا، مركز التصدير الزراعي الرئيسي لأوكرانيا، متسببة في أضرار بمحطات الطاقة المحلية.
وجاء ذلك بعد ضربة واسعة نفذتها موسكو في أكتوبر ضد شبكة خطوط الغاز الأوكرانية ضمن محاولات متكررة لزيادة الضغط الاقتصادي مع اقتراب الشتاء، في إطار إستراتيجية تستهدف البنية التحتية للطاقة منذ اندلاع الغزو عام 2022.
ارتفاعات في أسعار الشحن وتداعيات على ناقلات Suezmax وAframax
بحسب نيكوس تاغوليس؛ كبير المحللين في Intermodal، انعكست الهجمات على سوق ناقلات النفط بشكل مباشر. حيث ارتفع سعر الرحلة الفورية لطراز Suezmax على خط TD6 بين البحر الأسود والمتوسط بنسبة 6% متجاوزًا حاجز مئة ألف دولار يوميًا.
وأشار إلى أن استمرار الأعمال العدائية يؤكد هشاشة المنطقة، نظرًا لمكانتها الإستراتيجية المحورية في تجارة ناقلات Suezmax وAframax عالميًا، مع كون ميناء نوفوروسيسك وحده مسؤولًا عن نحو اثنين في المئة من صادرات النفط العالمية.
ويكتسب الموقع أهمية إضافية لقربه من محطة CPC التي تنقل حوالي ثمانين في المئة من إنتاج كازاخستان من النفط الخام عبر خط أنابيب يمر بالأراضي الروسية.
ويحذر تاغوليس من أن أي إغلاق مطول قد يدفع كازاخستان إلى تحويل صادراتها عبر بحر قزوين إلى خط BTC وصولًا إلى ميناء جيهان التركي، وهو مسار أقل تعرضًا للمخاطر لكنه أبطأ وأكثر كلفة وتعقيدًا من الناحية اللوجستية.
ورغم استمرار العمليات في البحر الأسود، يظل خطر التعطيل قائمًا مع دخول فصل الشتاء وزيادة الأهمية الإستراتيجية لأصول الطاقة، بعدما أثبت الطرفان قدرتهما واستعدادهما لاستهداف منشآت النفط والغاز والكهرباء.
أثر المدة الزمنية للاضطرابات على السوق والتأمين البحري
قال تاغوليس إن مدة الاضطراب تعد عاملًا حاسمًا في تحديد رد فعل السوق، فالإغلاقات القصيرة غالبًا ما تؤدي إلى ارتفاعات مؤقتة في الأسعار الفورية قبل أن تهدأ بمجرد عودة الأنشطة.
بينما تؤدي الاضطرابات الممتدة إلى زيادات مستدامة نتيجة ضعف توفر السفن وتجنب بعض الملاك العمل في المنطقة، بحسب تصريحاته.
بالإضافة إلى ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، وهو ما يعيد تشكيل تدفقات التجارة النفطية عالميًا ويزيد الضغط على خطوط الإمداد.
مساعٍ أوكرانية لتأمين الغاز واتفاق جديد مع اليونان
وفي ظل استمرار العمليات العسكرية، تعمل أوكرانيا على معالجة نقص الطاقة قبل موسم التدفئة الشتوي، وهو النقص الذي نتج عن الهجمات الروسية على خطوط الغاز في أكتوبر.
وقد أبرمت كييف اتفاقًا مع اليونان لاستيراد الغاز الطبيعي المسال الأمريكي ونقله عبر الأنابيب من خلال محطات إعادة التغويز اليونانية والممر الرأسي الذي يعبر بلغاريا ورومانيا ومولدوفا.
وعلى الرغم من كون هذا المسار أكثر تكلفة مقارنة بمصادر الإمداد البرية السابقة، إلا أنه يعد ضروريًا لتأمين احتياجات البلاد من الغاز وضمان التدفئة خلال الشتاء، إلى جانب تعزيز موقع اليونان كبوابة رئيسية للغاز الأمريكي نحو أوروبا.
ومن منظور النقل البحري، يسهم الاتفاق في تحويل كميات إضافية من الغاز نحو النقل البحري بدلًا من البري. ما يعزز الطلب على ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر الأطلسي ويمتص جزءًا من الزيادة في إنتاج الغاز الأمريكي.
آفاق المستقبل واستمرار تأثير الجغرافيا السياسية
يرى محللو Intermodal أن مستقبل سوق الطاقة سيظل مرتبطًا بشكل وثيق بالمسار العسكري بين روسيا وأوكرانيا. حيث يشكل الصراع المستمر تهديدًا مباشرًا لتدفقات النفط والغاز عبر البحر الأسود مع غياب أي بوادر لوقف إطلاق النار.
وفي الوقت ذاته، تدفع الاحتياجات الأوكرانية المتزايدة إلى ارتفاع صادرات الغاز الطبيعي المسال الأمريكية. ما يبرز الترابط الوثيق بين الجغرافيا السياسية وتوازنات السوق العالمية.
وبذلك تستمر الجغرافيا السياسية في قيادة ديناميكيات سوق الطاقة خلال عام 2025 مع استمرار الهجمات على الأصول الحيوية من محطات النفط إلى شبكات الكهرباء.
يضع هذا الأمر المشاركين في السوق أمام حالة دائمة من اليقظة وعدم اليقين بينما يدخل الصراع عامه الرابع دون نهاية واضحة.












