شهد قطاع طاقة الرياح البحرية انتكاسة ملحوظة منذ مطلع عام 2025. ما فرض واقعًا جديدًا يدفع الحكومات والمطورين والموردين إلى إعادة ضبط الأوضاع والتكيف مع ظروف السوق الصعبة. هذا التراجع الخطير كشف عنه تقرير حديث لشركة “تي جي إس 4 سي” (TGS4C). الرائدة في مجال بيانات وخدمات الطاقة. مسلطًا الضوء على انخفاض هائل في ترسية مواقع الرياح البحرية الجديدة وعقود الشراء العالمية. التي تراجعت بنسبة تفوق 70% خلال الأشهر الـ 9 الأولى من عام 2025.
تحديات غير مسبوقة تهز صناعة الرياح البحرية
لم تعد الأولوية حاليًا تتمحور حول السعي وراء تحقيق أهداف ضخمة بقدرة جيجاوات. بل تحولت إلى التركيز على بناء سوق أكثر استقرارًا. يشير التقرير إلى أن استقرار السياسات والاتفاقيات الموثوقة للشراء والسياسات المرنة أصبحت في صدارة أولويات القطاع. ومع تباطؤ المزادات وتشديد سلاسل الإمداد، تنفذ الحكومات أطر عمل تنظيمية جديدة. بينما يركز المطورون على المرونة وتقاسم المخاطر، بهدف حماية المشروعات الحالية والمستقبلية من الدورات المتقلبة. ما يمهد لخلق سوق مستقر وجذاب للاستثمار طويل الأجل.
المزادات تتباطأ والموافقة على التصاريح تتقدم
يؤكد باتريك أون؛ المؤلف الرئيس في “تي جي إس 4 سي”، أن المزادات تمثل “ساحة المعركة الرئيسة” لقطاع طاقة الرياح البحرية. إذ تعمل الظروف السوقية الصعبة على إعادة تشكيل آلية تقاسم التكاليف والمخاطر بين الحكومات والمطورين. وفي حين تهدد المزادات المتعثرة الأهداف الطموحة للطاقة. يرى أون أنه “من المشجع أن نرى الحكومات تتدخل وتدرك الحاجة الملحة لطاقة الرياح البحرية في أنظمة الطاقة لديها”.
ويأتي هذا التراجع في ترسية العقود استكمالًا لانخفاض سابق في سعة مشروعات طاقة الرياح البحرية العالمية التي دخلت حيز الإنتاج. فوفقًا لتقارير حديثة، هبطت سعة المشروعات التي بدأت الإنتاج بنسبة 11% في الربع الثاني من عام 2025 لتصل إلى 1.7 جيجاوات. مقارنة بالربع الأول من العام ذاته. وبنسبة 57% مقارنة بالربع الثاني من العام الماضي 2024.
وعلى صعيد إجمالي القدرات، بلغ مجموع سعة المشروعات القائمة بنهاية الربع الثاني 85.5 جيجاوات. مسجلًا ارتفاعًا بنسبة 2% على أساس فصلي. و15% على أساس سنوي. ما يعكس النمو التراكمي للقطاع رغم التباطؤ في الإضافات الجديدة.

انخفاض حاد في منح المواقع وتأجيل المزادات الأوروبية
تعد أبرز نتائج تقرير “تي جي إس 4 سي” أن الانتكاسات في عام 2025 قد تكون شرارة لإعادة تقييم شاملة للأسس التي تقوم عليها الصناعة.
أولًا: تعثر المزادات وانخفاض سعة الترسية: تعاني المزادات العالمية من تباطؤ كبير. كان من المتوقع طرح نحو 20 جيجاوات من مزادات الشراء العالمية خلال عام 2025، لكن لم يمنح منها حتى الآن سوى 2.2 جيجاوات فقط. هذا الرقم يمثل تراجعًا كبيرًا مقارنة بالمتوسط السنوي الذي بلغ 11.7 جيجاوات في الأعوام 2022 و2023 و2024. وقد أدى هذا التباطؤ إلى تأجيل عدة مزادات أوروبية رئيسة، وشهد انسحاب مطورين كبار بالكامل من المنافسات.
ثانيًا: تراجع منح المواقع الجديدة: شهد عام 2025 أيضًا انخفاضًا كبيرًا في معدل منح المواقع الجديدة لتطوير مشروعات الرياح البحرية. فقد أجّلت الحكومات جولات التأجير، وتراجع اهتمام المطورين بالمواقع الجديدة. حيث بلغ ما منح حتى الآن 11.2 جيجاوات، مقارنة بمتوسط سنوي ضخم قدره 70 جيجاوات في الأعوام 2022 و2023 و2024. ويؤدي هذا الانخفاض في عدد عقود الترسية إلى انخفاض حاد في الطلب على المسوحات الميدانية الضرورية للمراحل الأولية من المشروعات.
ثالثًا: ظهور سياسات جديدة لتقاسم المخاطر: ردًا على التوقعات غير المؤكدة، بدأت سياسات جديدة في الظهور بهدف تحسين جدوى المشروعات واستعادة ثقة المستثمرين. تبرز دول مثل ألمانيا وهولندا والدنمارك في إعداد أطر عمل جديدة لعقود الفروقات (CfD) ومنح المواقع، التي تهدف إلى توفير مرونة أكبر وتقاسم للمخاطر. وفي هذا الصدد، تشير “تي جي إس 4 سي” إلى أن “تأخير منح المواقع ومزادات الشراء يُمكن أن يكون أمرًا حكيمًا أحيانًا، لتجنب جولات فاشلة بسبب ضعف المنافسة”.
رابعًا: استمرار سير التصاريح بوتيرة جيدة: بالرغم من التحديات في المزادات. هناك نقطة إيجابية في التقرير تتعلق بإجراءات التصاريح. فخلال الأرباع الـ 3 الأولى من عام 2025، حصلت مشروعات بقدرة 14.6 جيجاوات على الموافقة النهائية، وهو رقم يقل قليلًا فقط عن الرقم القياسي الذي سُجل في عام 2024. ما يشير إلى أن خط الأنابيب للمشروعات ما زال يعمل بكفاءة نسبية في المراحل التنظيمية.
هشاشة سوق الرياح العائمة واختناقات سلسلة التوريد
على صعيد طاقة الرياح البحرية العائمة، ارتفعت سعة المشروعات الجديدة التي دخلت حيز التشغيل خلال الربع الثاني من عام 2025 إلى 24 جيجاوات. بنسبة نمو بلغت 100% على أساس فصلي وسنوي. ليصل إجمالي القدرات العائمة قيد التشغيل إلى 280 جيجاوات.
ومع ذلك، يصف تقرير “تي جي إس 4 سي” سوق الرياح البحرية العائمة بـ “الـهشة”. حيث يعتمد الزخم الحالي بشكل كبير على عدد محدود من المشروعات الرئيسة في فرنسا وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة. وتعد فرنسا السوق الأكثر مرونة في هذا القطاع. مدعومة بتمويل من المفوضية الأوروبية بقيمة 11 مليار يورو (ما يعادل 12.9 مليار دولار) مخصص لـ 3 مشروعات عائمة.
وفي الوقت ذاته، تلوح في الأفق تحديات جادة تتعلق بسلاسل التوريد. تشير نماذج العرض والطلب الصادرة عن “تي جي إس 4 سي” إلى احتمال حدوث نقص في التوربينات قد يصل إلى نحو 2500 وحدة (بما يعادل نحو 40 غيغاواط) بحلول عام 2040. هذا التوقع يسلط الضوء على الأهمية القصوى لتوسيع القدرات التصنيعية العالمية في هذا القطاع. وضرورة دمج الموردين الصينيين لضمان تلبية الطلب المستقبلي.
إيقاف التشغيل.. فرص استثمارية جديدة تنتظر
بالإضافة إلى ذلك تحليلات السوق الحالية، طرحت “تي جي إس 4 سي” لأول مرة توقعات تتعلق بإيقاف تشغيل مزارع الرياح البحرية القديمة. تشير التوقعات إلى أنه بحلول عام 2040، ستصل مشروعات بقدرة نحو 3 جيجاوات إلى نهاية عمرها الافتراضي، لترتفع هذه السعة إلى 27 جيجاوات بحلول عام 2050.
علاوة على ذلك، توفر القرارات المتعلقة بمصير هذه المشروعات القديمة. سواء بإعادة تشغيلها أو تمديد عمرها الافتراضي أو إزالتها بالكامل، فرصًا استثمارية جديدة في قطاع الصيانة والتحديث والبنية التحتية. ما قد يفتح مسارات جديدة لتدفق رؤوس الأموال إلى الصناعة على المدى الطويل، في الوقت الذي تسعى فيه الحكومات والمطورون لإعادة بناء الثقة والاستقرار في سوق طاقة الرياح البحرية الذي يواجه واحدة من أصعب مراحله منذ بدء التوسع العالمي.












