يشهد قطاع شحن الحاويات العالمي تراجعًا حادًا وغير مسبوق. في ظاهرة يرى الخبراء أنها ليست مجرد تباطؤ اقتصادي عابر. بل تحول جذري في كيفية عمل التجارة الدولية. ومع أن هذا التراجع قد أصبح واقعًا منذ فترة. فإن تداعياته لا تزال تتكشف يومًا بعد يوم. مع تزايد المخاوف من أن تكون هذه بداية نهاية عصر العولمة القائم على الكفاءة. وولادة نظام تجاري إقليمي أكثر تجزئة. إنّ تضافر التوترات الجيوسياسية، واضطرابات المعابر البحرية الحيوية، وتسارع السياسات الحمائية، يعمل معًا على إعادة تشكيل أنماط التجارة العالمية جذريًا، ما يطرح تحديات غير مسبوقة على استقرار سلاسل التوريد ومرونة الاقتصاد العالمي.
أرقام تخفي واقعاً قاتماً
على الرغم من الأرقام التي قد تبدو إيجابية للوهلة الأولى، فإنها تخفي واقعًا أكثر تعقيدًا. ففي يوليو 2025، تعاملت الموانئ الأمريكية مع 2.36 مليون حاوية، وهو رقم قد يوحي بالنشاط. ولكن خلف هذا الرقم يكمن استنفار تجار التجزئة لتخزين كميات هائلة من البضائع، خوفًا من الزيادات العقابية في التعريفات الجمركية التي فرضتها الإدارة الأمريكية. هذا السلوك الاستباقي، وإن كان يغذي أرقام التجارة على المدى القصير، فإنه ينذر بانهيار وشيك في الشهور اللاحقة. نقلا عن موقع “container-news“.
وتشير التوقعات إلى أن نهاية العام تكون شاهدة على هذا الانهيار. فمن المتوقع أن تشهد أحجام الحاويات انخفاضًا حادًا، حيث قد يصل شهر ديسمبر إلى 1.7 مليون وحدة فقط، ما يمثل تراجعاً بنسبة 20.1% عن العام السابق. وإذا تحققت هذه التوقعات، فسيكون هذا هو أبطأ معدل شهري تسجله التجارة البحرية منذ مارس 2023. وتتوالى التوقعات السلبية تباعًا، مع انخفاض متوقع في كل من سبتمبر (-6.8%)، أكتوبر (-13.2%)، ونوفمبر (-19.7%).
التعريفات الجمركية.. الوقود الأول للأزمة
ينبع هذا الانهيار من سلسلة من الأزمات المتداخلة، في مقدمتها تصاعد الحرب التجارية. فبعدما فرضت الإدارة الأمريكية تعريفات جمركية إضافية، تجاوزت المعدلات الأولية البالغة 10%. وقد وصلت الأمور إلى ذروتها عندما واجهت الهند تعريفات جمركية إضافية بنسبة 50% بعد أن دخلت زيادة سابقة بنسبة 25% حيز التنفيذ في أغسطس. هذا النمط من السياسات الحمائية لا يقتصر على دولة واحدة، بل يشكل تهديدًا كبيرًا لنظام التجارة العالمي القائم على القواعد.
وفي الوقت نفسه، لا يزال الإطار القانوني للتعريفات الجمركية بأكمله في طي المجهول. فبعد أن أصدرت محكمة الاستئناف الفيدرالية حكماً ضد استخدام الرئيس ترامب لسلطات الطوارئ، تم رفع القضية إلى المحكمة العليا للنظر فيها. بينما تستمر هذه المعركة القانونية، يواجه قطاع التجارة حالة من عدم اليقين حول القواعد التي تحكمه في المستقبل.
البحر الأحمر وبنما.. نقاط اختناق عالمية
لكن التعريفات الجمركية ليست هي التهديد الوحيد الذي يواجهه الشحن العالمي. فمنذ نوفمبر 2023، أجبرت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر خطوط الشحن الرئيسية على التخلي عن قناة السويس، وهي أحد أهم الممرات الملاحية في العالم. وبدلاً من ذلك، اضطرت السفن إلى اتخاذ مسارات بديلة حول رأس الرجاء الصالح في أفريقيا. هذا التحويل المكلف أدى إلى زيادة في وقت السفر بين آسيا وأوروبا بمقدار 12 يومًا، ورفع تكاليف النقل بنسبة 42%.
وعلى الجانب الآخر من العالم، تواجه قناة بنما تحديات مماثلة بسبب القيود المتعلقة بالجفاف. لقد أدت هذه الاضطرابات المزدوجة في أهم قناتين ملاحيتين في العالم إلى ما وصفه خبراء النقل البحري بـ “العاصفة المثالية” للشحن العالمي. وقد أسهمت هذه الأزمة في ارتفاع أسعار الشحن بنسبة 120% منذ أكتوبر 2023، حيث كان لاضطرابات البحر الأحمر وحدها إسهام بنسبة 148% في هذه الزيادة.
تحول جذري نحو الإقليمية
يرى الخبراء أن هذا التباطؤ لا يمثل مجرد مرحلة انتقالية، بل هو مؤشر على تحول جذري نحو التكتلات التجارية الإقليمية. فبعد عقود من إعطاء الأولوية للكفاءة، تتخلى الشركات الآن عن نموذج “التصنيع في أي مكان” وتعطي الأولوية لمرونة سلاسل التوريد. وأكدت التقارير أن 99% من الرؤساء التنفيذيين لديهم خطط لإعادة هيكلة سلاسل التوريد الخاصة بهم استجابةً للتحديات الجيوسياسية.
هذا التحول يتجلى بوضوح في أنماط التجارة. فقد أصبحت المكسيك أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، بينما تتجه تدفقات التجارة بشكل متزايد نحو المراكز الإقليمية بدلًا من امتدادها عبر القارات. وتسعى الشركات إلى تقليل اعتمادها على الموردين البعيدين ونقاط الاختناق المعرضة للخطر.
وفي حين أظهرت طرق تجارية إقليمية محددة مرونة، مثل الطرق من الشرق الأقصى إلى أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، التي زادت بنسبة 20% و15% على التوالي في مايو 2024، فإن الصورة الأكبر تشير إلى “التفكك الكبير” لسلاسل التوريد العالمية.















