ميناء العين السخنة.. من حقل ألغام إلى بوابة مصر البحرية الكبرى

ميناء العين السخنة.. من حقل ألغام إلى بوابة مصر البحرية الكبرى على البحر الأحمر
ميناء العين السخنة.. من حقل ألغام إلى بوابة مصر البحرية الكبرى على البحر الأحمر

في تحول إستراتيجي لافت، أصبحت منطقة ميناء العين السخنة، التي كانت في الماضي القريب حقل ألغام، محورًا بحريًا رئيسًا وميناءً عملاقًا يتربع على عرش موانئ البحر الأحمر.

لم يكن هذا الإنجاز وليد الصدفة. بل هو ثمرة رؤية طموحة وجهود متواصلة من الدولة المصرية. التي سعت لتحويل هذا الموقع إلى شريان حيوي للتجارة العالمية. بما يعزز مكانة مصر كمركز لوجستي إقليمي ودولي.

هذا التطور المذهل لم يقتصر على توسعة الأرصفة فحسب، بل شمل إعادة هيكلة شاملة للمنطقة بأسرها لتصبح مدينة متكاملة للملاحة والتجارة.

بداية التحول.. من مساحة محدودة إلى عملاق بحري

قصة ميناء العين السخنة هي قصة إصرار وتحدي. ففي القرن الماضي، كانت هذه المنطقة التي تقع على مقربة من القاهرة مجرد حقل ألغام تم تطهيره بجهود مضنية من سلاح المهندسين بالقوات المسلحة.

بعد التطهير، تم إنشاء ميناء صغير بأرصفة لا تتجاوز 5 كيلو مترات. وبقي الميناء على هذه الحال لسنوات طويلة.

لكن مع تولي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المسؤولية. بدأت مرحلة جديدة من التخطيط والتطوير الشامل، حيث تضمنت الرؤية تحويل الميناء من مجرد نقطة للتصدير والاستيراد إلى مركز لوجستي عالمي.

كانت نقطة البداية في 2021، عندما انطلقت أعمال التطوير على قدم وساق. لتضيف للميناء 18 كيلو مترًا من الأرصفة الجديدة. ليصل إجمالي طولها إلى 23 كيلو مترًا، وهو ما يجعله أكبر ميناء على سواحل البحر الأحمر. بقدرة استيعابية هائلة تستقبل السفن العملاقة بفضل أعماقه التي تصل إلى 18 مترًا.

1

بنية تحتية متكاملة للمستقبل

ووفقًا لوسائل إعلام مصرية، فإن التوسعة لم تقتصر على الأرصفة فقط، بل شملت كل جوانب البنية التحتية للميناء. فقد تم إنشاء 5 أحواض جديدة بعمق 18 مترًا. وهو ما يسمح باستقبال سفن الحاويات الأكبر حجمًا.

كما تم تخصيص مساحات شاسعة للتداول والخدمات اللوجستية. وتنفيذ ساحات تداول بمساحة 9.2 مليون متر مربع ومناطق لوجستية بمساحة 5.2 كيلو متر مربع. وهو ما يعكس التفكير الإستراتيجي في جعل الميناء محطة رئيسة للتخزين وإعادة التصدير.

ولضمان انسيابية حركة البضائع. تم إنشاء شبكة سكك حديدية داخلية بطول 30 كيلو مترًا. وربطها بالقطار الكهربائي السريع الجاري إنشاؤه. ما يوفر وسيلة نقل سريعة وفعالة من وإلى الميناء.

كما تم تطوير الطرق الداخلية بطول 17 كيلو مترًا. بواقع 6 حارات مزدوجة؛ لضمان حركة مرور سهلة وسلسة للشاحنات.

تتضمن أعمال التطوير أيضًا إنشاء حواجز أمواج جديدة بطول 3,270 مترًا. بما يوفر حماية أكبر للسفن والأرصفة. ولتوسيع المساحة الإجمالية للميناء.

تم استغلال نواتج الحفر لإنشاء أرض جديدة بمساحة 4 ملايين متر مربع. ليصل إجمالي مساحة الميناء إلى 29 كيلو مترًا مربعًا.

كما يجري العمل على استكمال المباني الإدارية والمجمع الأمني والأسوار والبوابات؛ لضمان أعلى معايير الأمان والكفاءة التشغيلية.

وحسب تصريحات اللواء محمد خليل؛ مدير مشروع تطوير ميناء العين السخنة. فإن نسب التنفيذ بلغت مستويات متقدمة للغاية. حيث وصلت أعمال الأرصفة وحواجز الأمواج إلى 100%. بينما بلغت نسب الحفر والتكريك 95%. ما يؤكد جدية وسرعة تنفيذ هذا المشروع الضخم.

2
شراكات عالمية وتكنولوجيا المستقبل.. محطة آلية بالكامل

لإدارة هذا الصرح العملاق، اتجهت الدولة المصرية نحو الشراكة مع كبرى الشركات العالمية المتخصصة في إدارة وتشغيل الموانئ.

حيث تسلمت شركة هاتشيسون الصينية، وهي إحدى الشركات الرائدة عالميًا، محطة البحر الأحمر الجديدة بالميناء. من المقرر أن تبدأ المحطة التشغيل التجريبي في نهاية عام 2025، ما يمثل نقلة نوعية في قدرات الميناء.

محطة البحر الأحمر ليست مجرد محطة عادية، بل هي نموذج لأحدث التكنولوجيا في مجال الملاحة. يتم تجهيزها بأحدث نظم التشغيل، حيث ستكون محطة آلية بالكامل. الأوناش العملاقة، سواء كانت أوناش الساحة (RTG) أو أوناش الرصيف (STS)، تعمل بالكامل بأنظمة ذكية يتم التحكم فيها “عن بعد”. هذه الأوناش الكهربائية العملاقة، التي تستخدم لأول مرة في مصر، تعمل على تحقيق أعلى معدلات الأداء والكفاءة.

اعتماد إدارة المحطة على أنظمة تشغيل متطورة

تعتمد إدارة المحطة على أنظمة تشغيل متطورة، مثل نظام إدارة محطة الحاويات (TOS) الذي يتحكم بحركة الحاويات في الوقت الفعلي.

كما يتم استخدام أنظمة التتبع عبر الأقمار الصناعية (GPS) وتقنيات تحديد الهوية بالترددات اللاسلكية (RFID)، بالإضافة إلى غرف تحكم مركزية لمراقبة الأوناش والساحات.

ولم يغفل القائمون على المشروع الجانب البيئي، حيث تعتمد المحطة على تقنيات صديقة للبيئة تهدف إلى تقليل الانبعاثات الكربونية وزيادة كفاءة الطاقة، وهو ما يتوافق مع التوجهات العالمية نحو الاستدامة في قطاع النقل البحري.

يمثل ميناء العين السخنة الجديد أكثر من مجرد مشروع لتوسعة ميناء، بل هو جزء من خطة شاملة لتحويل مصر إلى مركز لوجستي وتجاري عالمي، يستغل موقعها الجغرافي الفريد. من حقل ألغام إلى بوابة بحرية عملاقة، هذه هي قصة ميناء العين السخنة الذي بني بسواعد مصرية ليخدم المستقبل.