حاورت مجلة “عالم الموانئ”، الراعي الإعلامي لمؤتمر ومعرض «جايفكس JIFEX 2026»، رائد أبو سعدة؛ نائب رئيس الاتحاد العربي لتنظيم المعارض والمؤتمرات الدولية بالمشرق العربي؛ الجهة المنظمة لفعاليات JIFEX 2026 المقرر عقده بمدينة العقبة بالأردن.
وأكد «أبو سعدة» أن هناك فرصًا كبيرة أمام الشركات العربية والسعودية لإدارة وتشغيل الموانئ والمناطق اللوجستية. وربط سلاسل الإمداد والخدمات البحرية والنقل البري والمنصات الرقمية والأمن السيبراني والتدريب وتطوير الكفاءات والخدمات المرتبطة بالمشروعات الصناعية الكبرى.
– ما رؤية مؤتمر «جايفكس 2026»، وما أبرز القضايا التي يناقشها. وكيف يخدم تطلعات منطقة المشرق العربي في التكامل اللوجستي؟
نعمل على تطوير منصة إقليمية تجمع في مكان واحد صناع القرار وإدارات الموانئ وشركات النقل والشحن والخدمات اللوجستية والمستثمرين، والجهات الجمركية ومقدمي التكنولوجيا والمؤسسات التمويلية. بحيث تنتقل المناقشات من تشخيص المشكلات إلى البحث عن حلول ومشروعات وشراكات قابلة للتنفيذ.
وتكتسب دورة 2026 أهمية خاصة. لأن قطاع النقل واللوجستيات يمر بمرحلة تحول غير مسبوقة – التطورات الجيوسياسية في البحر الأحمر والمضائق البحرية وتغير أنماط خطوط الملاحة وارتفاع أهمية أمن واستمرارية سلاسل الإمداد.
إلى جانب التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والموانئ الذكية، كلها أعادت تعريف مفهوم الأمن اللوجستي والتنافسية.
أجندة المؤتمر
ولذلك تركز أجندة المؤتمر على القضايا التالية:
الموانئ والبنية التحتية الحرجة – الممرات التجارية البديلة – النقل متعدد الوسائط – السكك الحديدية والمعابر الحدودية – تسهيل التجارة والإجراءات الجمركية.
كما يناقش قضايا الاستثمار والشراكة بين القطاعين العام والخاص -التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني- واستدامة ومرونة سلاسل الإمداد.
وعلى مستوى المشرق العربي، ننطلق من قناعة أساسية بأن مستقبل الخدمات اللوجستية في المنطقة لا يمكن أن يعتمد على موانئ ومعابر وشبكات نقل تعمل كجزر منفصلة. بل عندما تصبح الموانئ مرتبطة بالمناطق الصناعية والحدود والسكك والطرق والمنصات الرقمية والجمارك ضمن منظومة متكاملة.
ومن هنا فإن أحد الأهداف الفكرية والإستراتيجية للمؤتمر هو تعزيز مفهوم Regional Logistics Integration؛ أي الانتقال من منافسة الميناء للميناء إلى منافسة الممر اللوجستي المتكامل. ومن التفكير الوطني المنفرد إلى بناء شبكات وممرات إقليمية تستطيع تقليل الزمن والكلفة وتحسين موثوقية حركة البضائع بين الدول العربية والأسواق العالمية.
المعارض محرك رئيس للاستثمار
– هل تتوقع إبرام اتفاقيات أو شراكات على هامش فعاليات المؤتمر؟ وكيف ترى مستقبل صناعة تنظيم المعارض والمؤتمرات التخصصية؟
من أهم وظائف المعارض والمؤتمرات الاقتصادية الحديثة تحويل التواصل إلى فرص أعمال واستثمار، لكن أفضل دائمًا أن نكون دقيقين في هذا الجانب. فلا نعلن عن اتفاقية قبل أن تستكمل أطرافها إجراءاتها وتصبح جاهزة للتوقيع.
ما نستطيع قوله إن «جايفكس» يوفر بيئة مناسبة لبحث مذكرات تفاهم وشراكات وفرص تعاون في مجالات تشغيل وتطوير الموانئ. والمناطق والمراكز اللوجستية، والنقل متعدد الوسائط، والشحن والتخليص، والتكنولوجيا اللوجستية، والتحول الرقمي والتدريب وبناء القدرات.
بالإضافة إلى فرص الاستثمار والشراكة بين القطاعين العام والخاص، ودورنا كمنظم هو تقريب أصحاب الفرص من أصحاب القرار ورأس المال والخبرة، وليس فقط توفير منصة للعرض.
أما مستقبل صناعة المعارض والمؤتمرات التخصصية. فأعتقد أنها ستتغير بشكل كبير. وباعتقادي أن نجاح المؤتمر في المستقبل لن يعتمد على عدد الحضور فقط. وإنما بما ينتجه من Business Matching، فرص استثمارية، وشراكات نقل معرفة ومخرجات قابلة للمتابعة بعد انتهاء الحدث.
ومن هنا نعمل في «IPCO» على أن يتطور «جايفكس» تدريجيًا من فعالية تقام لعدة أيام إلى منصة مستمرة على مدار العام تربط الشركات والمؤسسات والمستثمرين. وتتابع الفرص والمشروعات وتوفر محتوى متخصصًا ولقاءات أعمال وزيارات ميدانية. بحيث تأتي الدورة التالية وهي تبني على نتائج الدورة السابقة وليس وكأنها تبدأ من الصفر.
مقومات إستراتيجية
– إلى أي مدى يمكن أن تكون العقبة محورًا لوجستيًا بالتعاون مع دول المنطقة وبوابة إلى الأسواق العالمية؟
تمتلك العقبة مقومات إستراتيجية مهمة: موقع جغرافي متميز على البحر الأحمر – منظومة مينائية متنوعة – منطقة اقتصادية خاصة وتشريعات محفزة للاستثمار – شبكات نقل بري تربطها بعمق الأردن والأسواق المجاورة. إضافة إلى خطط لتطوير الربط السككي والرقمنة والخدمات اللوجستية.
لكن علينا أن نكون واقعيين:
الموقع الجغرافي وحده لا يصنع مركزًا لوجستيًا، والمركز اللوجستي الناجح يعتمد على مرونة وسرعة عبور البضائع وكلفة النقل. وكفاءة التخليص وانتظام الخطوط الملاحية وجودة الربط البري والسككي ومستوى الرقمنة وموثوقية الخدمات وقدرة الجهات المختلفة على العمل ضمن منظومة واحدة.
وهنا تكمن فرصة العقبة الحقيقية – الأردن نفسه وضع ضمن إستراتيجيته للنقل 2024–2028 هدفًا لتطوير منظومة نقل متكاملة ومرنة وتعزيز موقع المملكة كمركز للنقل.
التحديث الاقتصادي
كما تتضمن رؤية التحديث الاقتصادي تعزيز الترابط الإقليمي وتطوير البنية التحتية وتفعيل الحلول الذكية وتطوير أنظمة البيانات وتسهيل التجارة.
وأنا لا أحب تقديم العقبة باعتبارها بديلًا عن موانئ المنطقة؛ هذه ليست الرؤية التي تخدمنا على المدى الطويل. الأصح هو أن ننظر إليها باعتبارها عقدة ضمن شبكة لوجستية إقليمية يمكن أن تتكامل مع الموانئ السعودية والمصرية وموانئ شرق المتوسط ومع الممرات البرية نحو السعودية والعراق وسوريا وما بعدها.
ومن واقع التطورات الأخيرة نجد أن أي ممر لوجستي بديل هو صمام أمان إستراتيجي وشريان إمداد بديل يخدم سلاسل التوريد العالمية ويخفف من اضطراب النقل وهكذا.
ويخدم النقل متعدد الوسائط إقليميًا، وهذا ما تدعو له الـ(UNCTAD) مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، فالمنافسة العالمية المستقبلية لن تكون بين ميناء العقبة وميناء جدة أو ميناء آخر. وإنما بين سلاسل وممرات لوجستية كاملة من حيث الزمن والكلفة والاعتمادية والمرونة.
– كيف ترى أثر النهضة اللوجستية والاستثمارية السعودية في خريطة النقل البحري بالمنطقة، وكيف يستفيد المؤتمر من هذه التجربة؟
ما يحدث في السعودية في قطاع النقل والخدمات اللوجستية يمثل تحولًا مهمًّا على مستوى المنطقة. فالإستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية وضعت بوضوح هدف ترسيخ مكانة المملكة كمركز لوجستي عالمي. بالتوازي مع تطوير الموانئ والمناطق اللوجستية والربط متعدد الوسائط والتحول الرقمي وزيادة مشاركة القطاع الخاص.
والأهمية الإقليمية لهذه التجربة لا تقتصر على زيادة طاقات الموانئ السعودية. بل تمتد إلى إعادة تشكيل شبكات التجارة في البحر الأحمر والربط بين الموانئ والمناطق الصناعية والسكك والطرق والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا.
وميناء جدة الإسلامي مثال مهم على تطور الربط البحري والخدمات اللوجستية. بينما يمثل ميناء نيوم Port of NEOM – ميناء ضباء سابقًا – ومشروع أوكساجون OXAGON نموذجًا آخر يتجه بصورة واضحة نحو الأتمتة والاستدامة والتكامل بين الصناعة والميناء وسلاسل الإمداد. ويشهد ميناء نيوم حاليًا مرحلة تطوير متقدمة تتضمن محطة حاويات جديدة وتقنيات تشغيل آلية ورقمية.
وفي «جايفكس» لا ننظر إلى التجربة السعودية من زاوية العرض فقط. بل من زاوية ما الذي يمكن أن نتعلمه؟ وأين يمكن أن نبني شراكات؟
فرص التعاون المرتقبة
– وما فرص التعاون المرتقبة بين الشركات والمؤسسات المشاركة في المؤتمر ونظيراتها السعودية في مجالات إدارة الموانئ والأعمال اللوجستية؟
هناك فرص كبيرة أمام الشركات الأردنية والعربية والسعودية في إدارة وتشغيل الموانئ والمناطق اللوجستية وربط سلاسل الإمداد والخدمات البحرية والنقل البري والمنصات الرقمية والأمن السيبراني والتدريب وتطوير الكفاءات والخدمات المرتبطة بالمشروعات الصناعية الكبرى.
والأهم أن العلاقة لا ينبغي أن تكون باتجاه واحد؛ فالمشروعات العملاقة في السعودية تولد طلبًا على شبكة واسعة من الموردين والمشغلين ومقدمي الخدمات في المنطقة. وفي المقابل تستطيع العقبة والأردن تشكيل جزء من منظومة إمداد وربط إقليمية تخدم هذه المشروعات والأسواق المحيطة بها.
تحديات جيوسياسية
تشهد خطوط الملاحة وسلاسل الإمداد الإقليمية والدولية تحولات وتحديات جيوسياسية وبيئية متسارعة؛ فما محاور المؤتمر لتقديم حلول وإستراتيجيات مرنة لشركات الملاحة والخدمات اللوجستية؟
أعتقد أن أهم درس قدمته السنوات الأخيرة هو أن الكفاءة وحدها لم تعد كافية؛ فلا بد أن تقترن بالمرونة Resilience.
شركة تحقق أقل كلفة للنقل، لكنها تعتمد على مسار واحد أو ميناء واحد أو نظام معلومات واحد قد تكون أكثر عرضة للمخاطر من شركة لديها بدائل وخطط استمرارية أعمال وقدرة على إعادة توجيه سلسلة الإمداد بسرعة.
والظروف الراهنة في البحر الأحمر تؤكد ذلك؛ فالمنظمة البحرية الدولية تتابع المخاطر المحيطة بالملاحة في المنطقة. حيث جددت خلال يوليو وأغسطس 2026 الدعوة إلى تقييم المخاطر وحماية البحارة وضمان سلامة الملاحة وسلاسل الإمداد.
لذلك يتناول «جايفكس» موضوعات مثل إدارة المخاطر – استمرارية الأعمال – الممرات البديلة – أمن الموانئ – التأمين البحري – المرونة التشغيلية – إدارة الأزمات – أمن سلاسل الإمداد – وتكامل النقل البحري مع النقل البري والسككي والجوي.
التحول الرقمي
– وماذا عن ملف التحول الرقمي والموانئ الذكية؟
لا نريد تناول التحول الرقمي باعتباره عرضًا للتكنولوجيا أو مجموعة أجهزة وبرامج جديدة. فالميناء الذكي الحقيقي هو الذي تستطيع فيه السفينة والمحطة والجمارك والشاحنة والمستودع وصاحب البضاعة تبادل المعلومات بصورة آمنة وفي الوقت المناسب.
لهذا سيركز المؤتمر على Port Community Systems، Single Window، الذكاء الاصطناعي، Internet of Things، الأتمتة. التوائم الرقمية Digital Twins، تحليل البيانات وتتبع البضائع والأمن السيبراني وتكامل بيانات الميناء مع المدينة وشبكات النقل.
وأصبحت التجارب الإقليمية في هذا المجال متقدمة. فالسعودية، على سبيل المثال، تطور منصات للموانئ الذكية تجمع بيانات السفن والحاويات والشاحنات وتوفر خدمات لتتبع الشحنات.
القضية إذًا ليست هل نستخدم التكنولوجيا. بل كيف نحول البيانات والتكنولوجيا إلى زمن أقل وكلفة أقل وشفافية أعلى وقرارات أسرع وسلسلة إمداد أكثر مرونة.
الزخم الجيوسياسي الذي تشهده منطقة البحر الأحمر
– في ظل الزخم الجيوسياسي الذي تشهده منطقة البحر الأحمر، كيف يمكن للبنية التحتية اللوجستية المشتركة أن تصبح منصة لوجستية موحدة تخدم حركة التجارة الإقليمية؟
هذا في تقديري من أهم الأسئلة الإستراتيجية أمام المنطقة خلال السنوات المقبلة.
البحر الأحمر يجب ألا يُنظر إليه فقط بوصفه ممرًا بحريًا تعبره السفن. بل كمنظومة اقتصادية ولوجستية متكاملة تضم موانئ ومناطق صناعية، ومناطق اقتصادية خاصة، ومعابر برية، ومطارات وسككًا حديدية، وشبكات طاقة ومنصات رقمي.
وفي تقديري أن الزيادة المطردة في حجم السفن والاعتماد على اقتصادات الحجم لتقليل التكلفة ودور الموانئ المحورية وما يتبع هذا من فوائد متعددة، يحتاج إلى تكامل حقيقي بين الموانئ لسرعة توزيع البضائع إلى عدة موانئ وبنفس الوقت.
– ما أبرز خطط الشراكة المقترحة للاستفادة من الفرص التي توفرها مشروعات الرؤى الوطنية كمشروع نيوم – أوكساجون – ورؤية التحديث الاقتصادي الأردنية؟
لا يعني مفهوم التكامل بين العقبة والموانئ السعودية بالضرورة إنشاء كيان تشغيلي واحد. وإنما بناء Integrated Regional Logistics Network ربط إقليمي تستطيع من خلاله الموانئ والممرات الحدودية تبادل البيانات وتنسيق الإجراءات وتطوير الخدمات المشتركة وخلق خيارات متعددة أمام أصحاب البضائع.
وأرى أن هناك عدة مستويات عملية يمكن البناء عليها – الربط الإلكتروني وتبادل البيانات المسبقة للشحنات وتسهيل إجراءات العبور الجمركي، تطوير خدمات النقل البري المنتظم، الربط المستقبلي بالسكك الحديدية والتعاون بين المناطق اللوجستية، تسهيل حركة الشاحنات، وتطوير خطوط Ro-Ro عند توفر الجدوى الاقتصادية، وتنسيق خطط استمرارية الأعمال في حالات تعطل أحد المسارات.
وهذه ليست أفكارًا بعيدة عن الواقع؛ ففي عام 2026 بحثت اللجان الفنية الأردنية السعودية الربط الإلكتروني بين المعابر وتبادل البيانات والمعلومات وتسهيل نقل البضائع.
كما ناقش وزيرا النقل في البلدين تطوير مشروع السكك الحديدية الإقليمي كأداة لتعزيز التكامل الاقتصادي وسلاسل الإمداد.
وفيما يتعلق بنيوم وأوكساجون، فإن الفرصة لا ينبغي اختزالها في التعامل معهما باعتبارهما سوقًا لمشروع واحد. فنحن أمام منظومة صناعية ولوجستية جديدة تتطلب موردين ومقاولين وخدمات نقل وتخزين وموانئ وخدمات رقمية وتدريبًا وصيانة وحلولًا لسلاسل الإمداد.
التحديث الاقتصادي الأردني
وفي الجهة المقابلة تتجه رؤية التحديث الاقتصادي الأردنية إلى تحسين البنية التحتية والنقل الإقليمي واللوجستيات والرقمنة وتسهيل التجارة. وهنا تظهر مساحة حقيقية للمصالح المشتركة.
وأعتقد أن الطموح الأكبر يجب أن يكون تحويل الموقع الجغرافي للمنطقة من مجرد ميزة على الخريطة إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
وهذا يحتاج إلى أن ننتقل من مفهوم الربط بالبنية التحتية فقط إلى مفهوم الربط التشغيلي والرقمي والتجاري. أي أن تتكامل الموانئ والطرق والحدود والسكك والبيانات والإجراءات.
ولا أعتقد أن السؤال الإستراتيجي للمستقبل هو: من سيكون الميناء الأكبر أو من سيأخذ الحصة الأكبر؟
السؤال الأكثر أهمية هو: كيف نبني شبكة لوجستية عربية وإقليمية تجعل حركة التجارة عبر منطقتنا أسرع وأكثر موثوقية وتنافسية وتخلق قيمة اقتصادية مشتركة لجميع الدول المشاركة.
وهذه تحديدًا الروح التي نريد أن يعبر عنها «جايفكس 2026». من المنافسة المنفردة إلى التكامل. ومن إدارة حركة البضائع إلى صناعة الممرات التجارية، ومن الحديث عن الفرص إلى بناء الشراكات القابلة للتنفيذ.













