في خطوة تعكس رؤية جيواقتصادية استباقية، تُعيد دولة الإمارات صياغة خريطتها اللوجستية لضمان استمرارية سلاسل الإمداد العالمية بمعزل عن التوترات الجيوسياسية والأمنية التي تعصف بالممرات الملاحية الدولية.
تحول استراتيجي
ويبرز هذا التحول الاستراتيجي من خلال إعلان مجموعة موانئ دبي العالمية “دي بي ورلد”، عن مشروع استثماري ضخم بقيمة 2.5 مليار درهم (ما يعادل 680 مليون دولار) لتطوير وتوسعة محطتي “الرغيلات” و”دبا” على الساحل الشرقي في إمارة الفجيرة.

لا يقتصر الهدف من هذا الاستثمار الملياري على التوسع التقليدي، بل يرمي إلى تأسيس “استقلالية لوجستية” تامة للدولة.
وتكمن العبقرية الجيواقتصادية للمشروع في خلق “مخرج طوارئ استراتيجي” يطل مباشرة على بحر العرب والمحيط الهندي، متجاوزاً الحاجة الحتمية لعبور مضيق هرمز.
تبدد المخاطر
ومن خلال تأسيس جسر بحري-بري يربط محطات الفجيرة بالمنطقة الحرة لجبل علي “جافزا”، ستتمكن خطوط الشحن من تفريغ حمولاتها بأمان وسرعة، ونقلها برياً عبر الدولة في غضون ساعات، مما يبدد مخاطر الانقطاعات أو ارتفاع تكاليف التأمين البحري جراء أزمات الملاحة.
على الصعيد التشغيلي، يمثل المشروع قفزة هائلة في قدرات المناولة.
صُممت محطة “الرغيلات” لاستقبال أحدث السفن العملاقة بطاقة تصل إلى 2.5 مليون حاوية نمطية، فضلاً عن 1.7 مليون طن من البضائع العامة و190 ألف مركبة.

بدورها، ستضيف محطة “دبا” طاقة استيعابية قدرها 3.6 ملايين طن لقطاع المواد غير المعبأة.
وخلال فترة تتراوح بين 24 إلى 36 شهراً، سيقفز إجمالي الطاقة الاستيعابية لموانئ المجموعة داخل الإمارات بنحو 13.4% ليصل إلى 22 مليون حاوية نمطية سنوياً.
استباق الاحتياجات
وتعكس هذه الخطوة فلسفة اقتصادية عميقة تتمثل في استباق الاحتياجات المستقبلية وتجهيز البنية التحتية قبل بلوغ أقصى درجات الطلب.
وهو ما تؤكده تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، التي تشير إلى أن الاستثمار في البنية التحتية متعددة الوسائط يقلص تعرض الدول للصدمات الخارجية بنسبة 40%.
وقد تُرجمت هذه الرؤية إلى نجاح مالي ملموس، حيث حققت “دي بي ورلد” إيرادات بلغت 12.7 مليار دولار بنمو 13.1%، بفضل مرونتها في تعويض تراجع الملاحة في ممرات معينة عبر نمو أحجام المناولة في موانئها البديلة.

جدار حماية سيادي
ولا تتوقف طموحات دبي عند الساحل الشرقي، بل تتمدد لتشمل مسارات ربط مع سلطنة عُمان، ومشاريع استراتيجية في سوريا والسنغال وكندا.
إن تطوير موانئ الفجيرة ليس مجرد استثمار تجاري، بل هو جدار حماية سيادي يعزز الأمن الغذائي والتجاري لدولة الإمارات والخليج، ويفكك أي تهديدات بحصار لوجستي، لتظل الإمارات العاصمة اللوجستية الأبرز والملاذ الآمن والأسرع لحركة التجارة العالمية.













