باب المندب.. اضطراب ممر بحري يرفع تكلفة التجارة والطاقة ويهدد سلاسل الإمداد

باب المندب

لا تتوقف أهمية مضيق باب المندب عند كونه ممرًا بحريًا يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. إذ إن موقعه يجعله جزءًا أساسيًا من الطريق الذي تعتمد عليه حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، عبر البوابة الجنوبية لقناة السويس.

ومع تصاعد المخاطر الأمنية في البحر الأحمر، أصبحت حركة السفن عبر المضيق مرتبطة مباشرة بتكلفة التجارة العالمية. بعدما دفعت اضطرابات الملاحة شركات النقل إلى إعادة حساب مساراتها. وهو ما ينعكس على زمن الرحلات واستهلاك الوقود وأسعار الشحن والتأمين، ثم يمتد أثره إلى سلاسل الإمداد وأسعار السلع.

رأس الرجاء الصالح يصبح البديل الأكثر كلفة

ويفرض تعذر المرور عبر باب المندب على السفن المتجهة بين آسيا وأوروبا خيارا أكثر طولا يتمثل في الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بجنوب أفريقيا.

ولا تعني هذه الرحلة زيادة المسافة فقط، وإنما تطيل أيضا الفترة التي تستغرقها السفن للوصول إلى وجهاتها النهائية. ووفقا لبيانات الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد».فإن تحويل الرحلة بين شنغهاي وروتردام إلى المسار البديل يمكن أن يضيف نحو 12 يوما إلى زمن النقل، أي ما يقارب زيادة بنسبة 30% في مدة الرحلة.

وتتحول الزيادة في زمن الإبحار إلى تكلفة إضافية على المنظومة بأكملها، لأن السفن تصبح لفترات أطول خارج دورة التشغيل. فيما ترتفع احتياجاتها من الوقود والتأمين والخدمات التشغيلية.

9 % من طاقة أسطول الحاويات تتأثر بإطالة الرحلات

ويمتد تأثير تغيير المسارات إلى الطاقة الفعلية التي يتيحها أسطول الحاويات لنقل البضائع عالميا.

وتقدر «الأونكتاد» أن إطالة الرحلات أدت إلى خفض الطاقة الفعلية العالمية لنقل الحاويات بنحو 9 %. إذ أصبحت السفن تستغرق فترات أطول في البحر لإتمام الرحلة الواحدة، وهو ما يقلل عدد الرحلات التي يمكن تنفيذها خلال الفترة الزمنية نفسها.

وبالتالي، فإن الأزمة لا تعني فقط ارتفاع تكلفة تشغيل السفينة، بل انخفاض جزء من القدرة المتاحة عالميا لنقل البضائع. وهو ما يخلق ضغوطا إضافية على أسعار الشحن.

قفزات حادة في أسعار نقل الحاويات

وقد ظهرت انعكاسات اضطرابات البحر الأحمر بالفعل في أسواق الشحن خلال موجات سابقة. إذ ارتفعت تكلفة النقل على خط شنغهاي ـ روتردام. بينما سجل خط شنغهاي ـ جنوة زيادة بلغت نحو 350 % خلال فترة قصيرة، وفقا لبيانات نقلتها «الأونكتاد».

كما تجاوزت الزيادات في بعض الحالات 3 آلاف دولار للحاوية الواحدة قياس 40 قدمًا. وهو ما يرفع تكلفة نقل البضائع عبر البحر ويضع ضغوطا إضافية على الشركات التي تعتمد على الاستيراد والتصدير.

ولا تتوقف هذه التكلفة عند شركات الملاحة، إذ يمكن أن تنتقل تدريجيا إلى تكاليف الاستيراد ثم الإنتاج والتوزيع. وصولا إلى السعر الذي يدفعه المستهلك النهائي.

قناة السويس تتحمل جانبًا من تداعيات التحول

ويمثل باب المندب المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. ولذلك فإن أي تغيير مستمر في حركة السفن عبره يؤثر مباشرة في حركة الملاحة بقناة السويس.

وأظهرت بيانات «الأونكتاد» أن حمولة السفن التي عبرت قناة السويس في مايو 2025 ظلت أقل بنحو 70 % من مستويات عام 2023. في مؤشر على حجم التحول الذي أصاب مسارات الملاحة الدولية خلال فترات اضطراب البحر الأحمر.

ولا تنحصر تداعيات انخفاض حركة العبور في إيرادات رسوم القناة، وإنما تمتد إلى الأنشطة المرتبطة بالنقل البحري والموانئ والخدمات اللوجستية والتجارة العابرة. بما يجعل تغير مسارات السفن ذا تأثير أوسع على الاقتصاد المرتبط بالممر الملاحي.

ناقلات النفط تواجه وقتا وتكلفة إضافيين

ويبرز قطاع الطاقة بين أكثر الأنشطة تعرضا لتداعيات اضطراب باب المندب والبحر الأحمر؟ لأن تحويل ناقلات النفط والمنتجات البترولية إلى طرق أطول يعني زيادة مدة الرحلات واحتياجاتها من الوقود، فضلا عن ارتفاع تكاليف التأمين.

كما ارتبطت التوترات الجيوسياسية في الممرات البحرية بمزيد من التقلبات في أسواق الطاقة. في الوقت الذي دفعت فيه الاضطرابات شركات الطاقة إلى إيلاء أهمية أكبر لتوفير مسارات بديلة للتصدير بهدف تقليل مخاطر الاختناقات وتعطل الإمدادات.

من أزمة شحن إلى ضغط على التضخم

أما الجانب الأكثر ارتباطًا بحياة المستهلك اليومية، فيظهر عندما تتحول الزيادة في تكلفة النقل إلى ارتفاع في أسعار السلع.

فالسلع المستوردة والمواد الخام ومكونات الإنتاج تتحمل تكلفة إضافية كلما ارتفعت أسعار الشحن والتأمين والوقود. ما يرفع تكلفة وصولها إلى الأسواق، ويمكن أن ينعكس لاحقًا على مراحل الإنتاج والتوزيع.

وخلال أزمة البحر الأحمر، أشارت تحليلات اقتصادية إلى احتمال إضافة نحو 0.3 نقطة مئوية إلى التضخم الأساسي نتيجة اضطرابات النقل. مع تأثير أكبر على تضخم السلع الأساسية.

وبذلك تتحول الاضطرابات في ممر بحري ضيق إلى سلسلة من التأثيرات المتتابعة تبدأ بتغيير مسار السفينة. ثم زيادة زمن الرحلة والطاقة المستهلكة، وارتفاع تكلفة الشحن والتأمين، وصولا إلى ضغوط على التجارة والطاقة والأسعار وسلاسل الإمداد على مستوى الاقتصاد العالمي.