دراسة: جنوب آسيا الوجهة الأولى لتفكيك السفن الأوروبية رغم توافر البدائل

السفن الأوروبية
صناعة السفن

كشفت دراسة حديثة أعدتها كل من Shipbreaking Platform ومنظمة النقل والبيئة (T&E) عن استمرار توجه الغالبية العظمى من السفن المملوكة لشركات أوروبية أو التي ترفع أعلام دول الاتحاد الأوروبي إلى أحواض تفكيك السفن في الهند وباكستان وبنجلاديش. رغم توافر طاقة كافية داخل أوروبا لاستيعاب عمليات إعادة تدوير هذه السفن.

واعتبرت المنظمتان أن هذه الممارسات لا تمثل تحديًا بيئيًا فقط، نتيجة تفكيك السفن في منشآت منخفضة المعايير. وإنما تؤدي كذلك إلى فقدان كميات كبيرة من المواد الخام القابلة للاسترداد، وفي مقدمتها الصلب، بدلًا من إعادة إدخالها في الاقتصاد الأوروبي.

706 سفن أوروبية فُككت خلال 7 سنوات

وبحسب الدراسة، المنشورة اليوم، جرى تفكيك 706 سفن مملوكة للاتحاد الأوروبي أو ترفع أعلام دوله في مناطق مختلفة حول العالم خلال الفترة بين 2019 و2025.

ولم تتم إعادة تدوير سوى 22 % من هذه السفن داخل منشآت تقع في الاتحاد الأوروبي. وهي نسبة تمثل نحو 5 % فقط من إجمالي الحمولة.

وفي المقابل، جرى تفكيك قرابة نصف السفن على شواطئ الهند وبنجلاديش وباكستان، إلا أن هذه السفن مثلت نحو 66 % من إجمالي الحمولة. بينما توزعت غالبية السفن المتبقية على أحواض تفكيك في تركيا.

وتشير هذه الأرقام إلى فجوة كبيرة بين مكان انتهاء العمر التشغيلي للسفن الأوروبية وبين القدرات المتاحة داخل الاتحاد لإعادة تدويرها.

خسارة للمواد الخام الاستراتيجية

وقالت “Shipbreaking Platform” إن القضية تتجاوز الأضرار البيئية المرتبطة بعمليات تفكيك السفن، لتصل إلى صميم الاستراتيجية الصناعية الأوروبية.

وقالت فيليبيني برنارد؛ مسؤولة السياسات في المنظمة، إن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى تعزيز المرونة الاستراتيجية والاستقلالية في مجال المواد الخام. لكنه يسمح في الوقت نفسه بخروج ملايين الأطنان من الصلب القابل للاسترداد إلى أسواق خارجية.

وأضافت أن أوروبا تتحدث عن تقليل اعتمادها على واردات المواد الخام الحيوية. بينما تسمح لملاك السفن بتجنب القواعد التنظيمية وتصدير كميات كبيرة من الصلب الذي يمكن إعادة تدويره والاستفادة منه محليًا.

تفكيك السفن على الشواطئ يثير مخاوف بيئية

وتعتمد أحواض تفكيك السفن في جنوب آسيا بدرجة كبيرة على أسلوب التجفيف على الشاطئ (Beaching). حيث يتم سحب السفينة إلى الشاطئ ويتم تفكيكها مباشرة على الرمال أو الأراضي الطينية.

وتثير هذه الطريقة مخاوف بيئية وصحية، نتيجة عدم وجود أنظمة احتواء مناسبة للمواد الخطرة. ما قد يؤدي إلى تسرب الملوثات إلى التربة والمياه.

كما يواجه العمال مخاطر إضافية بسبب طبيعة مواقع التفكيك الواقعة في مناطق تتأثر بالمد والجزر. فضلًا عن صعوبة التعامل مع المواد الخطرة ومكونات السفن في هذه الظروف.

ثغرات تسمح بتجاوز القواعد الأوروبية

وتفرض القواعد الأوروبية قيودًا على تصدير السفن التي تحولت إلى نفايات من داخل المياه الأوروبية إلى دول خارج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).

كما تلزم لائحة إعادة تدوير السفن في الاتحاد الأوروبي السفن التي ترفع أعلام دول الاتحاد باستخدام منشآت إعادة تدوير معتمدة من الاتحاد الأوروبي.

لكن الدراسة تشير إلى استمرار وصول أعداد كبيرة من السفن المرتبطة بالاتحاد الأوروبي إلى أحواض منخفضة المعايير في جنوب آسيا.

وبحسب المنظمتين، يلجأ بعض ملاك السفن إلى تغيير علم السفينة قبل تفكيكها، أو تقديم ادعاءات بأنها لا تزال قيد التشغيل. في محاولة لتجنب القيود الأوروبية المتعلقة بتصدير النفايات.

وأظهرت البيانات أن 102 سفينة غيرت أعلامها الأوروبية إلى أعلام أخرى قبل فترة قصيرة من تفكيكها. ما تعتبره المنظمتان مؤشرًا على وجود ثغرات في النظام التنظيمي الحالي.

تحذير من اعتماد أحواض الشواطئ

وتزايدت المخاوف بعد إعلان المفوضية الأوروبية في يوليو الماضي خططًا لإضافة أول منشآت تستخدم أسلوب التجفيف على الشاطئ إلى قائمة مرافق إعادة تدوير السفن المعتمدة في الاتحاد الأوروبي.

وترى “Shipbreaking Platform وT&E” أن اعتماد هذه المنشآت قد يسهل تصدير السفن إلى الخارج. محذرتين من أن ذلك قد يضعف موقف منشآت إعادة التدوير الأوروبية التي تعمل وفق معايير أكثر صرامة في مجالي البيئة وظروف العمل.

وتخشى المنظمتان من أن يؤدي السماح لمنشآت منخفضة المعايير بالوصول إلى نظام الاعتماد الأوروبي إلى مكافأة الممارسات الأكثر ضررًا. بدلًا من دعم الصناعة المسؤولة داخل أوروبا.

طاقة أوروبية تكفي لاستيعاب السفن

وتقدم الدراسة بيانات تشير إلى أن الاتحاد الأوروبي يمتلك بالفعل قدرات كبيرة لإعادة تدوير السفن.

ففي عام 2020، الذي سجل أعلى عدد من عمليات تفكيك السفن عالميًا. بلغت الطاقة الإجمالية لمنشآت إعادة تدوير السفن داخل الاتحاد الأوروبي نحو 2.1 مليون طن من الإزاحة الخفيفة (LDT).

وفي المقابل، بلغ إجمالي حمولة السفن المملوكة للاتحاد الأوروبي التي جرى تفكيكها خلال العام نفسه نحو 1.4 مليون طن LDT.

ورغم ذلك، انتهى أكثر من ثلثي الحمولة المملوكة للاتحاد الأوروبي إلى أحواض التفكيك على شواطئ الهند وبنجلاديش وباكستان.

وأشارت المنظمة إلى أن السفن التي جرى تفكيكها على الشواطئ كان يمكن استيعابها في ما لا يقل عن 6 إلى 8 أحواض أوروبية. بما يعكس حجم الطاقة غير المستغلة داخل الاتحاد.

95 % من وزن السفينة قابل لإعادة التدوير

ولا تقتصر أهمية إعادة تدوير السفن على التخلص الآمن من السفن التي انتهى عمرها التشغيلي. إذ يمكن استرداد ما يصل إلى 95 % من وزن السفينة في صورة خردة فولاذية عالية الجودة.

وفي دراسة سابقة، قدرت Shipbreaking Platform أن نحو 12 ألف سفينة مملوكة للاتحاد الأوروبي ستصل إلى نهاية عمرها التشغيلي خلال العقد المقبل.

وقد توفر هذه السفن ما يصل إلى 12 مليون طن من الصلب سنويًا. ما يحول إعادة تدويرها داخل أوروبا إلى فرصة اقتصادية وصناعية كبيرة. خاصة في ظل توجه الاتحاد نحو تعزيز أمن إمدادات المواد الخام.

خردة السفن تدعم التحول إلى الصلب الأخضر

وأوضحت المنظمة أن خردة السفن يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في خفض الانبعاثات الصناعية. لاسيما مع توسع الاعتماد على أفران القوس الكهربائي التي تستخدم الخردة المعاد تدويرها لإنتاج الصلب الثانوي.

وقالت بينيديتا مانتوان؛ مديرة السياسات في Shipbreaking Platform، إن إنتاج الصلب الثانوي باستخدام الخردة يمثل أحد أكثر المسارات فاعلية لخفض الانبعاثات في صناعة الصلب.

وأضافت أن تصدير الخردة عالية القيمة من أوروبا يحرم صناعة الصلب الأوروبية من مورد يمكن أن يساعدها في تحقيق أهداف التحول نحو إنتاج أكثر نظافة.

دعوات لسد الثغرات التنظيمية

وتطالب “Shipbreaking Platform وT&E” بإجراء تغييرات على القواعد الحالية لضمان استفادة أوروبا من المواد القابلة لإعادة التدوير الناتجة عن أسطولها البحري.

وتشمل المطالب الحظر الصريح لأسلوب تفكيك السفن على الشواطئ. إلى جانب إغلاق الثغرات المرتبطة بإعادة تسجيل السفن تحت أعلام الملاءمة قبل وصولها إلى نهاية عمرها التشغيلي.

كما تدعو المنظمتان إلى تعزيز الممارسات المسؤولة في قطاع إعادة تدوير السفن. ووضع قواعد تضمن تكافؤ المنافسة بين منشآت إعادة التدوير. مع الحفاظ على معايير مرتفعة للبيئة والسلامة وظروف العمل.

وبحسب الدراسة، فإن تعزيز إعادة تدوير السفن داخل أوروبا لا يمثل فقط خيارًا بيئيًا أكثر أمانًا. وإنما يمكن أن يتحول إلى جزء من استراتيجية الاتحاد الأوروبي لأمن المواد الخام والصناعة منخفضة الانبعاثات.