يرى قادة قطاع الشحن العالمي بصورة متزايدة أن مركز ثقل الصناعة يتحول نحو آسيا، وعلى رأسها الصين. حيث باتت تمتلك تأثيرًا متناميًا في رسم ملامح مستقبل النقل البحري. وفقًا لأحدث تقرير «التوقعات العالمية للشحن 2026» الصادر عن شركة «كابا ريسيرش» (Kapa Research).
واستند التقرير إلى استطلاع آراء 314 من ملاك السفن وكبار المسؤولين التنفيذيين في شركات الشحن الكبرى حول العالم. وأظهر تحولًا واضحًا في نظرة القطاع إلى موازين القوى الاقتصادية والجيوسياسية، مع تنامي الاعتقاد بأن النفوذ البحري ينتقل تدريجيًا من الغرب إلى الشرق.
76 % يرون الشرق القوة الأكثر تأثيرًا
وكشف الاستطلاع أن 76 % من المشاركين يتوقعون أن يمثل الشرق، وبصفة أساسية الصين والهند، القوة الأكثر تأثيرًا في قطاع الشحن العالمي خلال السنوات المقبلة. مقابل 17 % فقط رأوا أن الغرب. الذي يشمل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان وكندا، سيظل الطرف الأكثر نفوذًا.
وأوضح التقرير أن هذا التحول لا يمثل مجرد انتقال تقليدي لمركز القوة الاقتصادية، وإنما يعكس تغيرًا أوسع في طبيعة النظام الذي يحكم قطاع الشحن العالمي. مع تزايد الاعتماد على القدرات الصناعية والإنتاجية والطموحات البحرية الآسيوية.
وبالنسبة إلى صناعة تتولى نقل الجزء الأكبر من التجارة العالمية، فإن انتقال مركز النفوذ نحو الشرق يحمل دلالات تتجاوز حدود النشاط البحري. ليعكس التحولات المتسارعة في الاقتصاد والجغرافيا السياسية عالميًا.
الصين تتصدر بناء السفن والأسطول والاقتصاد البحري
وبرزت الصين بصورة خاصة في نتائج الاستطلاع، إذ اختارها 69 % من المشاركين باعتبارها الدولة الرائدة عالميًا في بناء السفن.
كما رأى 62% من المشاركين أن الصين تمتلك الأسطول الأكثر تنافسية عالميًا، بينما اعتبر 72 % أنها صاحبة أكبر ثقل اقتصادي في قطاع الشحن.
وتعزز هذه المؤشرات مكانة الصين باعتبارها لاعبًا محوريًا في الصناعة البحرية، ليس فقط من خلال حجم أسطولها وقدراتها التصنيعية. ولكن أيضًا عبر اتساع نفوذها في سلاسل التجارة والإمداد العالمية.
وكان لافتًا أن 96 % من المشاركين وصفوا دور الصين بأنه مهم لتعزيز قطاع الشحن العالمي، مقابل 79 % للاتحاد الأوروبي و73 % للولايات المتحدة.
وتعكس هذه النتائج، بحسب التقرير، تحولًا واضحًا في نظرة القطاع إلى الصين. التي بات ينظر إليها باعتبارها مركزًا للسرعة والتنظيم والتوسع الصناعي، ومكانًا تتشكل فيه ملامح مستقبل الصناعة البحرية.
مفارقة صينية.. قوة الأسطول لا تعني تفوق الإدارة
ورغم الاعتراف الواسع بالقوة الصناعية والاقتصادية للصين، أظهر الاستطلاع مفارقة مهمة تتعلق بتقييم الخبرات الإدارية والبحرية.
ففي الوقت الذي صنف فيه 62 % من المشاركين الأسطول الصيني باعتباره الأكثر تنافسية. لم تتجاوز نسبة من اعتبروا إدارة السفن الصينية الأفضل عالميًا 17 %.
وفي المقابل، حافظت اليونان على مكانتها باعتبارها معيارًا للخبرة البحرية والإدارية. إذ رأى 42 % من المشاركين أن الخبرات الإدارية اليونانية هي الأقوى في القطاع.
وأشارت «كابا ريسيرش»، إلى أن هذه النتائج تعكس اختلافًا بين مصادر القوة؛ فالصين تتفوق في المؤشرات القابلة للقياس، مثل إنتاج السفن وحجم الأسطول والقوة الاقتصادية. بينما لا تزال المراكز البحرية التقليدية تحظى بتقدير أكبر في مجالات الإدارة والخبرة التشغيلية.
شي جين بينغ يتصدر تقييمات قادة العالم
امتد التحول في نظرة قطاع الشحن إلى المجال السياسي أيضًا. إذ تصدر الرئيس الصيني شي جين بينغ قائمة القادة العالميين من حيث التقييم بين المشاركين في الاستطلاع.
وحصل شي على 63 % تقييم إيجابي مقابل 19 % تقييم سلبي.
ويربط التقرير هذه النتيجة جزئيًا بتصورات مسؤولي القطاع حول الاستقرار وقابلية التنبؤ بالسياسات الصينية. في ظل تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية العالمية.
وأشار التقرير إلى مفارقة تتمثل في أن بعض مسؤولي قطاع الشحن ينظرون إلى القيادة الصينية باعتبارها عاملًا للاستقرار بالنسبة إلى التخطيط طويل الأجل. في حين يرون أن السياسات التجارية والحمائية في الغرب أصبحت مصدرًا أكبر لعدم اليقين.
الأزمات الجيوسياسية تتصدر مخاوف القطاع
ورغم التحول المتزايد نحو الشرق، لا تزال التوترات الجيوسياسية تمثل التحدي الأكبر أمام قطاع الشحن.
وحدد 76 % من المشاركين الأزمات المرتبطة بأوكرانيا والبحر الأحمر والشرق الأوسط باعتبارها أخطر مشكلة تواجه الصناعة في الوقت الحالي.
ومع ذلك، أظهر مسؤولو شركات الشحن درجة مرتفعة من الثقة في أداء القطاع، إذ يرى 70 % أن أوضاع الصناعة العالمية تحسنت خلال السنوات الخمس الماضية. بينما أعرب 94 % عن تفاؤلهم بشأن مستقبل شركاتهم.
ويبدو أن جزءًا كبيرًا من القطاع بات يتعامل مع الاضطرابات باعتبارها عنصرًا مستمرًا في بيئة التشغيل، وليس مجرد أزمة مؤقتة.
الشحن يتحول إلى قطاع مستفيد من الاضطرابات
قال التقرير إن قطاع الشحن يتجه بصورة متزايدة إلى التعامل مع الأزمات باعتبارها فرصة. في تحول قد يجعله أكثر قدرة على الاستفادة من الاضطرابات مقارنة بفترات الاستقرار.
وقال نحو نصف المشاركين إن قطاع الشحن العالمي يستفيد من الاضطرابات أكثر مما يستفيد من فترات السلام.
وتعكس هذه الرؤية طبيعة الصناعة التي يمكن أن تستفيد من تغير مسارات التجارة. وارتفاع الطلب على خدمات النقل، وزيادة المسافات البحرية نتيجة إعادة توجيه السفن بعيدًا عن مناطق التوتر.
البيئة والتنافسية في صدارة التحديات المقبلة
وبالتوازي مع التطورات الجيوسياسية، حدد مسؤولو شركات الشحن التنظيم البيئي والتنافسية باعتبارهما من أبرز القضايا التي ستحدد مستقبل القطاع خلال العقد المقبل.
وقال 70 % من المشاركين إن التوتر بين المتطلبات البيئية والحفاظ على التنافسية سيكون عاملًا رئيسيًا في تشكيل مستقبل الصناعة. بينما أشار 53 % إلى المنافسة بين المصالح البحرية الغربية والآسيوية باعتبارها تحديًا مهمًا.
وأضاف التقرير أن التحول نحو خفض الانبعاثات أصبح جزءًا من صراع أوسع بين نماذج اقتصادية مختلفة. في ظل اختلاف الأولويات بين الاقتصادات الغربية والصين.
مخاوف من تأثير EU ETS على التنافسية
وتظهر هذه المخاوف بوضوح في تقييم مسؤولي القطاع للسياسات البيئية الأوروبي. إذ يرى 55 % من المسؤولين التنفيذيين أن إدراج الشحن ضمن نظام تداول الانبعاثات التابع للاتحاد الأوروبي (EU ETS) يضر بالتنافسية الأوروبية أكثر مما يدعم جهود خفض الانبعاثات.
كما أعرب 68 % عن تشاؤمهم بشأن قدرة قطاع الشحن على تحقيق هدف المنظمة البحرية الدولية للوصول إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050.
وتكشف هذه النتائج عن اتساع الفجوة بين طموحات إزالة الكربون من جهة. والمخاوف المتعلقة بتكاليف التحول الأخضر وقدرة الشركات على المنافسة من جهة أخرى.
الرقمنة تواصل التوسع داخل شركات الشحن
في المقابل، يبدو أن التحول الرقمي يحظى بقبول أوسع وأسرع داخل القطاع.
ويستخدم 73 % من الشركات أنظمة المراقبة عن بُعد، بينما تعتمد 72 % على أدوات تحسين الرحلات البحرية، وتستخدم 55 % تقنيات الصيانة التنبؤية.
ورغم أن الذكاء الاصطناعي لا يزال في مرحلة مبكرة من التبني، إذ لا تستخدمه سوى 7 % من الشركات على نطاق واسع حاليًا. يتوقع المسؤولون التنفيذيون أن يكون له أكبر تأثير مستقبلي في إدارة الأساطيل واتخاذ القرارات التجارية.
البيانات والذكاء الاصطناعي يرسمان ملامح المنافسة المقبلة
أشار التقرير إلى أن المنافسة المستقبلية في قطاع الشحن لن تعتمد فقط على حجم الأساطيل أو القدرة على بناء السفن. وإنما ستتجه بصورة متزايدة إلى ملكية البيانات، وقدرات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني.
وبذلك، يرسم استطلاع «كابا ريسيرش» صورة لقطاع بحري يتغير مركز ثقله تدريجيًا نحو الشرق. مع استمرار الصين في تعزيز قوتها التصنيعية والاقتصادية والبحرية، بالتزامن مع احتفاظ المراكز البحرية التقليدية، وعلى رأسها اليونان، بمكانتها في مجالات الخبرة والإدارة.
وفي الوقت نفسه، تظل الجغرافيا السياسية والتحول الأخضر والرقمنة عوامل رئيسية ستحدد شكل المنافسة داخل صناعة الشحن خلال السنوات المقبلة.













