بعد إغلاق هرمز.. هل تعود الممرات البحرية إلى واجهة الصراع الدولي؟

مضيق هرمز

لم يعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز مجرد تداعيات مباشرة للحرب الأمريكية على إيران، بل تحول إلى اختبار أوسع للنظام الذي حكم حركة التجارة البحرية العالمية لعقود.

وأعاد إغلاق أحد أهم الممرات البحرية أمام الملاحة الدولية طرح سؤال جوهري: هل يمكن أن تستعيد المضائق الإستراتيجية دورها القديم باعتبارها أدوات للضغط السياسي والعسكري؟

وبحسب تحليل نشرته مجلة “فورين بوليسي”، السبت، فإن التطورات الأخيرة تأتي في وقت يعتمد فيه الاقتصاد العالمي بدرجة كبيرة على النقل البحري، الذي ينقل نحو 90 % من السلع المتداولة عالميًا.

ولذلك فإن تعطل ممر بحري رئيسي لا يقتصر أثره على السفن العابرة له، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد، وأسعار الشحن والتأمين، وأسواق الطاقة والتجارة حول العالم.

ويرى التحليل أن أزمة هرمز قد تدفع العالم إلى استحضار مرحلة تاريخية سبقت النظام البحري الذي أرسته بريطانيا ثم الولايات المتحدة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. حين كانت السيطرة على المضائق والممرات البحرية تمثل ورقة أساسية في صراعات القوى الكبرى.

وحتى موعد نشر التحليل، كانت الحرب الأمريكية على إيران قد أسفرت عن مقتل 18 عسكريًا أمريكيًا. إلى جانب عدد غير محدد من القتلى المدنيين والعسكريين الإيرانيين.

فيما بلغت تكلفة الحرب عشرات المليارات من الدولارات. لكن تعطيل الملاحة في هرمز برز كواحد من أكثر آثار الحرب امتدادًا إلى الاقتصاد العالمي.

مضائق ضيقة.. نفوذ يتجاوز حجم القوة

يستعرض تحليل “فورين بوليسي” نماذج تاريخية للمضائق التركية ومضيق أوريسند. موضحًا أن الموقع الجغرافي لممر بحري ضيق يمكن أن يمنح الدولة التي تسيطر عليه نفوذًا يفوق حجمها السياسي أو العسكري.

فقد ظلت الإمبراطورية العثمانية تسيطر على مضيقي البوسفور والدردنيل، اللذين يشكلان الممر البحري الذي يربط البحر الأسود بالبحر المتوسط. ومع تراجع قوة الإمبراطورية، تحولت السيطرة على المضائق إلى إحدى القضايا الرئيسة في التنافس بين روسيا والقوى الأوروبية.

وبعد انتهاء الحروب النابليونية، تصاعد الصراع حول هذه الممرات وصولًا إلى حرب القرم. عندما تدخلت قوى أوروبية إلى جانب الدولة العثمانية لمنع روسيا من إحكام قبضتها على البوسفور.

أوريسند.. عندما أصبحت الملاحة مصدرًا لثروة الدولة

يقدم مضيق أوريسند، الذي يصل بحر البلطيق ببحر الشمال، مثالًا آخر على القيمة الإستراتيجية والاقتصادية للممرات البحرية.

فمنذ أواخر العصور الوسطى، كان المضيق طريقًا رئيسًا لحركة تجارة الأخشاب والحديد والنحاس والحبوب والملح والأسماك. إلى جانب الفراء والكهرمان والأسلحة.

وفي عام 1429، خضع المضيق لسيطرة اتحاد كالمار، ثم انتقلت السيطرة إلى الدنمارك، التي فرضت على السفن العابرة رسومًا تعادل بين 1 % و2 % من قيمة حمولاتها.

وأصبحت هذه الرسوم مصدر دخل مباشر لملك الدنمارك، حتى بلغت بحلول عام 1625 نحو ثُمن إجمالي إيرادات الدولة.

وساعد هذا الدخل المستقل الملك كريستيان الرابع من تمويل مشاركة بلاده في حرب الثلاثين عامًا دون الحاجة إلى موافقة مجلسه. إلا أن التدخل انتهى بعواقب مكلفة بالنسبة للدنمارك.

هرمز.. من ممر تجاري إلى ورقة نفوذ إيرانية

في ضوء هذه السوابق التاريخية، يطرح تحليل “فورين بوليسي” تساؤلات بشأن تداعيات السيطرة على حركة الملاحة في مضيق هرمز داخل إيران. وتحديد الجهة التي قد تحصل على النفوذ أو الموارد المالية الناتجة عنها.

ويبرز هنا دور “الحرس الثوري الإيراني”، الذي يتمتع بمكانة استثنائية داخل هيكل السلطة الإيرانية، باعتباره قوة عسكرية موازية للجيش النظامي. فضلًا عن مسؤوليته عن برنامج الصواريخ الباليستية وامتلاكه شبكة واسعة من المصالح والأنشطة الاقتصادية.

ووفقًا للتحليل، كان نفوذ الحرس الثوري قد بدأ بالفعل في التوسع على حساب مؤسسات أخرى داخل النظام الإيراني قبل عام 2026. قبل أن يكتسب زخمًا إضافيًا خلال الحرب الحالية.

وفي حال ارتبطت حركة الملاحة في هرمز بمصادر دخل مستقلة تصب في مصلحة الحرس الثوري. فقد يمنحه ذلك موارد اقتصادية إضافية يمكن استخدامها لتمويل عملياته العسكرية ومساندة حلفاء إيران في المنطقة.

كما أن امتلاك هذه الموارد قد يقلل اعتماد الحرس الثوري على بقية مؤسسات صنع القرار في الدولة الإيرانية. وهو ما قد يعزز موقع المؤسسة العسكرية داخل منظومة الحكم.

كيف حاول العالم تحييد الممرات البحرية؟

لم يكن استخدام المضائق كسلاح جيوسياسي هو القاعدة الوحيدة عبر التاريخ. إذ بدأت القوى البحرية الكبرى خلال القرن التاسع عشر في تطوير ترتيبات تستهدف إبقاء الممرات الاستراتيجية بعيدة نسبيًا عن الصراعات العسكرية.

وفي عام 1841، نظمت “اتفاقية لندن للمضائق” حركة السفن الحربية عبر المضائق التركية. في إطار ترتيبات عززت المصالح البحرية البريطانية في مواجهة النفوذ الروسي.

أما في أوريسند، فقد رفضت الولايات المتحدة عام 1856 مواصلة دفع الرسوم التي كانت تفرضها الدنمارك على السفن العابرة. الأمر الذي أدى إلى عقد مؤتمر انتهى إلى وضع ترتيبات جديدة للملاحة في المضيق.

ومع مرور الوقت، انتقلت هذه المبادئ من الترتيبات السياسية إلى إطار القانون الدولي، وصولًا إلى “اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار” لعام 1982. التي وضعت قواعد تنظم حقوق الملاحة والمرور في المياه الإقليمية والمضائق المستخدمة للملاحة الدولية.

الولايات المتحدة وضمان حرية الملاحة

بعد الحرب العالمية الثانية، تولت الولايات المتحدة دور القوة البحرية الرئيسية التي ضمنت أمن جزء كبير من طرق التجارة العالمية.

وساهم هذا الدور، إلى جانب تطور قواعد القانون الدولي، في جعل حرية الملاحة عنصرًا شبه ثابت في النظام الاقتصادي العالمي. بحيث أصبح تعطيل الممرات البحرية الاستراتيجية أمرًا استثنائيًا وليس قاعدة متكررة.

لكن أزمة هرمز تثير مخاوف من تراجع قدرة هذا النظام على توفير الحماية نفسها. خصوصًا إذا بدأت دول أو جماعات أخرى في التعامل مع الممرات البحرية باعتبارها أوراقًا للضغط والتفاوض.

باب المندب.. نقطة اختناق أخرى تحت الضغط

ويبرز مضيق باب المندب كأحد أبرز الأمثلة الحالية على المخاطر التي تواجه نقاط الاختناق البحرية.

فقد أصبحت قدرة الحوثيين المتحالفين مع إيران على تهديد السفن في الممر الواقع بين بحر العرب والبحر الأحمر عاملًا مؤثرًا في حركة التجارة. نظرًا لأن هذا الطريق يرتبط مباشرة بالمسار المؤدي إلى قناة السويس والأسواق الأوروبية.

وبالتالي، فإن أي تهديد مستمر لباب المندب لا يؤثر فقط في الملاحة المحلية. وإنما يمكن أن يفرض على السفن تغيير مساراتها، ويزيد مسافات الرحلات والتكاليف، ويضغط على سلاسل الإمداد الممتدة بين آسيا وأوروبا.

أوروبا تستعيد حسابات الممرات الإستراتيجية

ولا تتوقف المخاوف عند الشرق الأوسط، إذ يمكن أن تعود الممرات البحرية المرتبطة بروسيا إلى صدارة الحسابات الأمنية الأوروبية.

وأشار التحليل إلى أن إغلاق خليج فنلندا بواسطة فنلندا وإستونيا يمكن أن يحرم روسيا من مسار مهم لتصدير النفط. كما قد يعقد عمليات الإمداد إلى كالينينغراد.

وفي الوقت نفسه، يمكن أن تكتسب المضائق التركية ومضيق أوريسند أهمية إضافية في حال اتساع أي مواجهة بين روسيا والدول الأوروبية. لتعود هذه الممرات إلى موقعها التاريخي كعناصر مؤثرة في حسابات الأمن والاستراتيجية.

هل تتغير خريطة النظام البحري العالمي؟

اعتبر تحليل “فورين بوليسي” أن أزمة هرمز قد تكون أكثر من مجرد اضطراب مؤقت في حركة الملاحة. إذ ربما تعكس تحولًا أوسع في النظام الدولي الذي حكم أمن التجارة البحرية خلال العقود الماضية.

فإذا تراجعت القدرة على ضمان حرية الملاحة في الممرات الرئيسية، فقد تستعيد نقاط الاختناق البحرية مكانتها باعتبارها ساحات للتنافس بين القوى، وتتحول السيطرة على الممرات إلى أداة للضغط السياسي والاقتصادي.

ورغم أن أدوات الحرب الحديثة تطورت بصورة هائلة، من الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى القدرات الجوية المتقدمة. فإن العامل الجغرافي لا يزال يحتفظ بقدرته على التأثير في موازين القوة.

فالمضائق التي حددت عبر قرون طرق التجارة ومواقع المواجهات العسكرية لم تفقد قيمتها الاستراتيجية، وقد تعود مجددًا إلى قلب الصراعات الدولية. حيث تتداخل حماية الملاحة مع أمن الطاقة ومصالح التجارة العالمية.