أظهرت حركة التجارة العالمية للسلع خلال الربع الأول من 2026 أداءً تجاوز التوقعات. بدعم رئيس من الزيادة الكبيرة في الطلب على التقنيات والمكونات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وهو ما ساعد التجارة الدولية على امتصاص جانب من تداعيات الحرب في الشرق الأوسط واضطرابات حركة الشحن.
وبحسب أحدث تحليل لمنظمة التجارة العالمية، ونقله موقع “hellenicshippingnews” الملاحي اليوناني. فقد حافظت تجارة السلع على قدر كبير من المرونة رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية والاضطرابات التي أصابت طرق الملاحة عبر مضيق هرمز. أحد أهم الممرات العالمية لنقل الطاقة.
ورغم أن الصراع اندلع خلال الشهر الأخير من الربع الأول من 2026، تتوقع المنظمة أن تظهر آثاره بصورة أكثر وضوحًا في بيانات التجارة الخاصة بالربع الثاني. عندما تنعكس اضطرابات الشحن والطاقة بشكل كامل على حركة التجارة العالمية.
نمو التجارة يتجاوز التوقعات
ارتفعت أحجام تجارة السلع العالمية المعدلة موسميًا بنسبة 1.9 % مقارنة بالربع السابق. بينما سجلت زيادة سنوية قدرها 3.2 % خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2026.
وجاء هذا النمو رغم أن الربع الأول من العام الماضي شهد بدوره نشاطًا استثنائيًا. بعدما سارعت شركات في أميركا الشمالية إلى زيادة وارداتها قبل الزيادات المتوقعة في الرسوم الجمركية.
ومع ارتفاع قاعدة المقارنة، واصلت التجارة العالمية تسجيل نمو قوي. مدفوعة خصوصًا بالإنفاق الاستثماري على البنية التحتية اللازمة لتطوير الذكاء الاصطناعي والتقنيات المرتبطة به.
تجارة الذكاء الاصطناعي تقفز 40 %
كان التطور الأبرز خلال الربع الأول هو القفزة الكبيرة في التجارة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وأفادت منظمة التجارة العالمية بأن القيمة الدولارية لهذه التجارة ارتفعت بأكثر من 40 % على أساس سنوي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام.
وساعدت هذه الطفرة في مكونات التكنولوجيا والإلكترونيات على تخفيف تأثيرات الحرب في الشرق الأوسط. والتي شملت اضطراب حركة الشحن، وزيادة تكاليف الطاقة، وارتفاع الضغوط على الاقتصادات المستوردة للوقود.
وأشار التقرير إلى أن الإنفاق المرتبط بتطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أصبح خلال فترة قصيرة أحد المحركات المهمة لحركة التجارة العالمية.
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي مواصلة دعم التجارة؟
رغم قوة الأرقام المسجلة في بداية العام، لا ترى منظمة التجارة العالمية أن استمرار هذا الأداء مضمون.
ويتمثل العامل الحاسم في مدى قدرة طفرة الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي على موازنة التأثيرات الاقتصادية للصراع في الشرق الأوسط.
وكانت المنظمة قد توقعت في أحدث تقديراتها أن تنمو تجارة السلع العالمية بنسبة 1.9 % خلال 2026 بالكامل في السيناريو الأساسي. ما يعني أن النمو السنوي البالغ 3.2 % خلال الربع الأول جاء أعلى من التوقعات السنوية.
لكن هذه التقديرات أُعدت في مرحلة مبكرة من الحرب، قبل أن تتضح التداعيات الكاملة لتعطل حركة الشحن.
وكانت المنظمة قد قدرت في سيناريو يتضمن ارتفاع أسعار الطاقة أن يؤدي الصراع إلى خفض نمو التجارة العالمية بنحو 0.5 نقطة مئوية.
في المقابل، يمكن لاستمرار الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي أن يوفر دفعة إيجابية قريبة من هذا الحجم. وهو ما يجعل التوازن بين العاملين أحد أبرز محددات اتجاه التجارة خلال الفترة المقبلة.
الشرق الأوسط يتصدر قائمة المتضررين
انعكست تداعيات الصراع بصورة مباشرة على تجارة الشرق الأوسط، الذي سجل أكبر تراجع إقليمي خلال الربع الأول.
وانخفضت صادرات المنطقة المعدلة موسميًا بنسبة 9.7 % على أساس سنوي، بينما تراجعت الواردات بنسبة 11.9 %.
وتتوقع منظمة التجارة العالمية أن تتفاقم هذه الانخفاضات خلال الربع الثاني، مع ظهور التأثير الكامل للحرب في بيانات التجارة.
وكانت تجارة السلع الأساسية الأكثر تأثرًا، إذ انخفض حجم واردات النفط الخام العالمية من الشرق الأوسط بنحو 45 % على أساس سنوي في مارس.
كما تراجعت واردات الغاز الطبيعي المسال بنسبة 52 %، فيما انخفضت واردات الأسمدة بنسبة 26 % خلال الشهر نفسه.
آسيا المستفيد الأكبر من طفرة التكنولوجيا
في المقابل، سجلت آسيا أقوى أداء بين المناطق التجارية الرئيسة. مستفيدة من الطلب المتزايد على المنتجات والمكونات المستخدمة في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وارتفعت صادرات آسيا المعدلة موسميًا بنسبة 12.9 % على أساس سنوي خلال الربع الأول، بينما زادت الواردات بنسبة 14.6 %. وفقًا للتقرير.
ويرتبط جزء كبير من هذا النمو بتوسع التجارة داخل القارة في المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. مع ارتفاع صادرات الصين إلى جانب نمو قوي من سنغافورة وكوريا الجنوبية وتايلاند وتايوان.
وتوضح هذه الاتجاهات أن جزءًا مهمًا من طفرة التجارة الآسيوية لم يكن ناتجًا فقط عن الطلب النهائي. وإنما عن زيادة حركة المكونات والسلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بين اقتصادات المنطقة نفسها.
أمريكا الشمالية تحافظ على قوة صادراتها
حققت صادرات أمريكا الشمالية أيضًا نموًا قويًا خلال الربع الأول، إذ ارتفعت بنسبة 7 % على أساس سنوي، بحسب التقرير.
لكن واردات المنطقة انخفضت بنسبة 10.7 % مقارنة بالربع الأول من 2025، الذي شهد موجة استيراد استثنائية قبل الزيادات المتوقعة في الرسوم الجمركية.
ورغم الانخفاض عند المقارنة السنوية، سجلت الواردات نموًا فصليًا بلغ 3.4 %. ما يشير إلى استمرار قوة النشاط التجاري مقارنة بالربع السابق.
أداء أوروبي أكثر هدوءًا
جاء أداء التجارة الأوروبية أكثر اعتدالًا خلال الربع الأول.
وانخفضت أحجام الصادرات الأوروبية بنسبة 2.6 % على أساس سنوي. ويرجع جزء كبير من هذا التراجع إلى ارتفاع شحنات الذهب والأدوية إلى أميركا الشمالية خلال الفترة المماثلة من 2025، وهو ما رفع قاعدة المقارنة.
في المقابل، ارتفعت واردات أوروبا بنسبة محدودة بلغت 0.6 %.
أما أمريكا الجنوبية، فواصلت إظهار قدر من الصمود، رغم محدودية نمو صادراتها خلال الربع الأول.
ومنذ بداية 2023، ارتفعت صادرات المنطقة تراكميًا بنسبة 22.5 %، لتحتل المرتبة الثانية عالميًا بعد آسيا، التي سجلت زيادة قدرها 33.4 % خلال الفترة نفسها.
وتتوقع منظمة التجارة العالمية أن تحصل الدول المنتجة للنفط في أمريكا الجنوبية وأفريقيا ورابطة الدول المستقلة على دفعة إضافية خلال الأشهر المقبلة. مع توجهها إلى تعويض جانب من انخفاض الإنتاج القادم من الشرق الأوسط.
معدات الاتصالات تقود نمو التجارة
تكشف بيانات التجارة حسب فئات المنتجات عن حجم التأثير الذي أحدثه الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
وسجلت معدات المكاتب والاتصالات أقوى أداء خلال الربع الأول، بعدما ارتفعت قيمتها التجارية بنسبة 44 % على أساس سنوي.
كما زادت تجارة الخامات والمعادن الأخرى بنسبة 27%، في حين ارتفعت تجارة الآلات الأخرى بنسبة 9 %، وفقًا للتقرير.
وترى منظمة التجارة العالمية أن جانبًا كبيرًا من النمو القوي في معدات المكاتب والاتصالات يرتبط باستمرار الطلب على التقنيات والمكونات التي تدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
لكن هذا الزخم لم يشمل جميع قطاعات السلع، إذ سجلت تجارة الكيماويات والحديد والصلب والوقود تراجعًا من حيث القيمة.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت أسعار المعادن والخامات، باستثناء الذهب والفضة، بنسبة 32% مقارنة بالعام السابق.
آسيا تعزز تفوقها بين المصدرين
واصلت آسيا تصدرها لقائمة المناطق من حيث نمو قيمة الصادرات، التي ارتفعت بنسبة 20 % على أساس سنوي.
وجاء هذا الأداء مدفوعًا بارتفاع تجارة المعادن النفيسة والنحاس والآلات والمعدات الكهربائية والخامات.
وسجلت كل من أفريقيا وأمريكا الجنوبية والوسطى نموًا في قيمة الصادرات بنسبة 14 %.
وكان الشرق الأوسط ورابطة الدول المستقلة المنطقتين الوحيدتين اللتين سجلتا تراجعًا في الصادرات، بنسبة 1 % لكل منهما.
وعلى مستوى الاقتصادات الكبرى، جاءت كوريا الجنوبية في الصدارة، بعدما قفزت صادراتها بنسبة 38.4 %. تلتها هونغ كونغ الصينية بفارق طفيف، مع نمو بلغ 38.3 %.
كما ارتفعت صادرات الولايات المتحدة بنسبة 15.2%، والصين بنسبة 14.7%، والاتحاد الأوروبي بنسبة 9.2%.
آسيا وأفريقيا تقودان نمو الواردات
على جانب الواردات، تصدرت آسيا وأفريقيا قائمة المناطق الأسرع نموًا، بزيادة بلغت 22% و15% على التوالي.
وكانت الولايات المتحدة الاستثناء الوحيد بين أكبر خمسة أسواق مستوردة، بعدما تراجعت وارداتها من السلع بنسبة 13.6% على أساس سنوي.
ويعكس هذا التراجع جزئيًا التأثير المرتفع لقاعدة المقارنة في الربع الأول من 2025. عندما سارعت الشركات الأميركية إلى تكوين مخزونات تحسبًا للزيادات المرتقبة في الرسوم الجمركية.
التكنولوجيا تعيد تشكيل خريطة التجارة العالمية
تكشف أحدث بيانات منظمة التجارة العالمية أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد اتجاه تكنولوجي. بل أصبح عاملًا مؤثرًا بصورة مباشرة في تدفقات التجارة الدولية.
فارتفاع الطلب على الرقائق والمكونات الإلكترونية ومعدات الاتصالات والآلات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي ساعد على دفع التجارة العالمية إلى مستويات تجاوزت التوقعات خلال الربع الأول.
لكن قوة هذا المحرك ستواجه خلال الربع الثاني اختبارًا أكثر صعوبة، مع انتقال التداعيات الكاملة للحرب في الشرق الأوسط إلى حركة الشحن وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.
وبالتالي، يبقى أداء التجارة العالمية خلال الفترة المقبلة مرهونًا بمدى قدرة طفرة الذكاء الاصطناعي والاستثمارات المرتبطة بها على مواصلة توفير قوة دفع تكفي لتعويض الآثار المتزايدة للاضطرابات الجيوسياسية.












