لم تعد الموانئ السعودية تؤدي دورًا تقليديًا يقتصر على استقبال السفن ومناولة البضائع، بل تتجه بصورة متسارعة إلى التحول لمنظومة لوجستية متكاملة. مدعومة باستثمارات ضخمة في البنية التحتية والمراكز اللوجستية والتقنيات الرقمية.
وأثبتت الموانئ التابعة للهيئة العامة للموانئ “موانئ” قدرتها على الحفاظ على كفاءة عملياتها خلال السنوات الماضية. رغم الأزمات المتلاحقة التي أصابت التجارة العالمية. بدءًا من تداعيات جائحة كورونا، مرورًا بأزمات سلاسل الإمداد. وصولًا إلى التوترات الجيوسياسية التي فرضت تحديات جديدة على حركة الملاحة.
وفي الوقت الذي واجهت فيه موانئ دولية ارتفاعًا في فترات انتظار السفن وتأخر وصول الشحنات. استفادت الموانئ السعودية من الاستثمارات المتواصلة في البنية التحتية والتحول الرقمي وتطوير الخدمات. بما ساعدها على الحفاظ على تدفق الواردات والصادرات وتعزيز توافر السلع الأساسية.
كما ساهم الربط بين الموانئ وشبكات النقل البري والسككي والجوي في زيادة مرونة المنظومة اللوجستية. ومنح المملكة قدرة أكبر على التعامل مع اضطرابات التجارة العالمية. بحسب تقرير جريدة “الرياض” اليوم السبت.
34 مركزًا لوجستيًا باستثمارات تتجاوز 14 مليار ريال
وفي إطار هذا التوجه، تواصل الهيئة العامة للموانئ تنفيذ خططها لرفع الطاقة اللوجستية للمملكة. من خلال توقيع عقود لإنشاء وتوسعة 7 مراكز لوجستية جديدة في ميناء جدة الإسلامي ومنطقة الخُمرة، باستثمارات تقترب من مليار ريال.
وترفع هذه المشروعات إجمالي عدد المراكز اللوجستية في الموانئ السعودية إلى 34 مركزًا. بإجمالي استثمارات يتجاوز 14 مليار ريال.
وتأتي هذه الخطوة ضمن مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية ورؤية السعودية 2030. التي تستهدف بناء منظومة نقل متطورة قادرة على ربط الأسواق المحلية والإقليمية والدولية. وتعزيز موقع المملكة كمركز رئيسي لسلاسل الإمداد العالمية.
أكثر من 384 ألف متر مربع للتخزين وإعادة التصدير
تتضمن المشروعات الجديدة إنشاء مساحات تتجاوز 384 ألف متر مربع مخصصة لأعمال التخزين والتجميع وإعادة التصدير.
ولا تقتصر أهداف هذه المساحات على زيادة الطاقة التخزينية. وإنما تستهدف إنشاء منظومة تشغيلية متكاملة تستفيد من الحلول الرقمية والخدمات اللوجستية الحديثة لتقليل زمن دورة الشحن، وتسريع المناولة، ورفع كفاءة حركة البضائع.
كما توفر هذه المراكز بيئة لوجستية تسمح بربط الموانئ بمرافق التخزين والتوزيع. بما يساعد على انتقال البضائع بصورة أكثر كفاءة بين الموانئ والأسواق والمناطق الصناعية والتجارية.
5 آلاف فرصة عمل جديدة
ومن المنتظر أن توفر المشروعات أكثر من 5 آلاف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة. فضلا عن دعم الأنشطة التجارية المرتبطة بالنقل والخدمات اللوجستية.
وتشمل المنظومة الجديدة مرافق للتخزين والتجميع وإعادة التصدير. إلى جانب خدمات مخصصة للبضائع وحلول رقمية تساعد الشركات الوطنية والعالمية على توسيع نطاق وصولها إلى الأسواق.
كما تتيح المراكز خدمات تشغيلية متكاملة تستهدف رفع جودة الأداء، وتسريع الإجراءات التجارية، وتحسين تجربة العملاء. بما يعزز قدرة المملكة على جذب الاستثمارات المرتبطة بسلاسل القيمة والخدمات اللوجستية.
توسع مركز “ميرسك” في ميناء جدة الإسلامي
ومن أبرز المشروعات الجديدة توسعة المركز اللوجستي لشركة “ميرسك” العالمية في ميناء جدة الإسلامي. لتعظيم القدرات التشغيلية للميناء ويدعم حركة المستوردين والمصدرين.
وتتضمن التوسعة إنشاء حاويات وساحات مستقبلية على مساحة 60 ألف متر مربع، باستثمارات تبلغ 40 مليون ريال.
ويعكس توسع شركات الشحن واللوجستيات العالمية في الاستثمار داخل الموانئ السعودية تنامي الثقة في البيئة الاستثمارية بالمملكة. إلى جانب ارتفاع تنافسية الموانئ الوطنية على خطوط التجارة الدولية.
الخُمرة.. موقع يربط الميناء والمطار وشبكة الطرق
تتمتع منطقة الخُمرة بأهمية خاصة ضمن منظومة المشروعات الجديدة. نظرًا لارتباطها المباشر بميناء جدة الإسلامي ومطار الملك عبد العزيز الدولي وشبكة الطرق الرئيسية.
ويمنح هذا الموقع المراكز اللوجستية قدرة أكبر على خدمة حركة البضائع وربطها بالأسواق المحلية والإقليمية والعالمية. فضلًا عن تقليل زمن انتقال الشحنات وتحسين كفاءة عمليات التوزيع.
ويرى متخصصون في القطاع اللوجستي أن أهمية هذه المشروعات لا تتوقف عند إضافة مساحات تخزينية جديدة. وإنما تمتد إلى رفع كفاءة سلسلة الإمداد بأكملها، من خلال تقليص فترات مناولة البضائع ودورات الشحن، وخفض تكاليف التخزين، وتحسين إدارة المخزون.
الموانئ تتحول إلى مراكز اقتصادية متكاملة
يعكس توسع المراكز اللوجستية تحول وظيفة الموانئ السعودية من مجرد نقاط لعبور السفن والبضائع إلى مراكز اقتصادية تقدم خدمات ذات قيمة مضافة.
وتشمل هذه الخدمات التخزين والتعبئة والتجميع والتوزيع وإعادة التصدير. وهو ما يرفع قدرة القطاع اللوجستي على دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز تنافسية الصادرات السعودية.
كما أن وجود المراكز اللوجستية بالقرب من ميناء جدة الإسلامي يرفع مستوى التكامل بين الميناء والقطاعات الصناعية والتجارية. ويمنح سلاسل الإمداد قدرة أكبر على التعامل مع التغيرات المفاجئة في حركة التجارة العالمية.
رؤية 2030 تدفع التوسع اللوجستي
يأتي تطوير الموانئ والمراكز اللوجستية في إطار مستهدفات رؤية السعودية 2030. التي تنظر إلى القطاع اللوجستي باعتباره أحد المحركات الرئيسية لتنويع الاقتصاد وتعزيز النمو غير النفطي.
واستفادت المملكة من موقعها الجغرافي الذي يربط بين ثلاث قارات. لتطوير قطاع النقل والخدمات اللوجستية وتحويل الموانئ إلى منصات قادرة على استقطاب الاستثمارات وتقديم خدمات وفق المعايير الدولية.
وساهمت الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية في تسريع مشروعات تطوير الأرصفة والمراكز اللوجستية. وتوسيع الشراكات مع الشركات العالمية. إلى جانب الاعتماد المتزايد على الحلول الرقمية لرفع كفاءة المناولة والتخليص والعمليات التشغيلية.
وتستهدف هذه الجهود زيادة مساهمة القطاع اللوجستي في الناتج المحلي، وتعزيز تنافسية الصادرات. كذلك توفير فرص استثمارية ووظيفية، ودعم بناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة.
نمو الحاويات خلال يناير 2026
وأظهرت بيانات أداء الموانئ السعودية خلال يناير 2026 استمرار نمو بعض مؤشرات النشاط، إذ ارتفع عدد الحاويات المناولة بنسبة 2.01 % إلى 738,111 حاوية قياسية. مقابل 723,571 حاوية قياسية خلال الشهر نفسه من عام 2025.
وسجلت حاويات المسافنة نموًا أكبر بنسبة 22.44 %. لتصل إلى 184,019 حاوية قياسية، مقابل 150,295 حاوية قياسية في الفترة المماثلة من العام السابق.
وفي المقابل، تراجعت الحاويات الواردة بنسبة 3.23 % إلى 284,375 حاوية قياسية، مقارنة بـ293,855 حاوية في يناير 2025.
كما انخفضت الحاويات الصادرة بنسبة 3.47 %، مسجلة 269,717 حاوية قياسية، مقابل 279,421 حاوية خلال الفترة نفسها من العام السابق.
ارتفاع حركة الركاب والعربات والمواشي
وشهدت حركة الركاب نموًا بنسبة 42.27 % خلال يناير 2026، إذ ارتفع عددهم إلى 143,566 راكبًا، مقارنة بـ100,909 ركاب في يناير 2025.
كما ارتفع عدد العربات بنسبة 3.31 % إلى 109,097 عربة، مقابل 105,601 عربة خلال الفترة المقارنة.
وسجلت حركة المواشي قفزة لافتة، إذ استقبلت الموانئ 886,908 رؤوس ماشية. بزيادة قدرها 49.86% عن 591,824 رأسًا في الفترة نفسها من العام السابق.
البضائع السائلة تحافظ على نموها
ارتفع إجمالي البضائع السائبة السائلة بنسبة 0.28 % خلال يناير الماضي، ليصل إلى 14,102,495 طنًا.
وفي المقابل، تراجع إجمالي الطنيات المناولة، الذي يشمل البضائع العامة والبضائع السائبة الصلبة والسائلة، بنسبة 3.04 % إلى 19,205,650 طنًا، مقابل 19,807,069 طنًا خلال يناير 2025.
وبلغ حجم البضائع العامة 839,987 طنًا، فيما سجلت البضائع السائبة الصلبة 4,263,168 طنًا.
كما تراجعت الحركة الملاحية بنسبة 1.75%، لتصل إلى 1,12 سفينة، مقابل 1,141 سفينة في الفترة المماثلة من العام الماضي.
أداء قوي للحاويات خلال 2025
وعلى مستوى العام السابق، سجلت الموانئ التي تشرف عليها الهيئة العامة للموانئ نموًا ملحوظًا في أعداد الحاويات المناولة خلال 2025.
وارتفع إجمالي الحاويات المناولة بنسبة 10.58 %، ليصل إلى 8,317,235 حاوية قياسية، مقارنة بـ7,521,306 حاويات خلال عام 2024.
كما سجلت حاويات المسافنة نموًا بنسبة 11.78 %، لتصل إلى 1,927,348 حاوية قياسية، مقابل 1,724,184 حاوية في العام السابق.
الموانئ السعودية.. ركيزة لسلاسل الإمداد العالمية
ولا تنعكس زيادة أحجام الحاويات والمراكز اللوجستية على قطاع الموانئ وحده، وإنما تمتد آثارها إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد. عبر تنشيط التجارة وتحفيز الصناعات المرتبطة بالنقل البحري والخدمات اللوجستية. إلى جانب دعم النشاط السياحي والبحري والخدمات المساندة.
كما تسهم كفاءة الموانئ في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد ودعم الأمن الغذائي للمملكة. بما يتوافق مع أهداف الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية.
ومع استمرار ضخ الاستثمارات وتوسيع المراكز اللوجستية وتعزيز الشراكات مع الشركات العالمية. تتجه الموانئ السعودية إلى ترسيخ نموذج يتجاوز المناولة التقليدية إلى تقديم منظومة متكاملة للتخزين والتوزيع وإعادة التصدير والخدمات الرقمية.
ويعزز هذا التحول قدرة المملكة على التعامل مع اضطرابات التجارة العالمية، ويمنحها موقعًا أكثر قوة في شبكات الإمداد الدولية. بما يدعم طموحها للتحول إلى مركز لوجستي عالمي يصل بين الشرق والغرب.













