مثلت عبَّارة “سالم إكسبريس” واحدة من أكبر الكوارث التي هزت مصر، بعدما غاصت في أعماق البحر خلال عشرين دقيقة فقط، ومعها مئات الأشخاص، يوم 15 ديسمبر 1991.
لم يكن قد مضى ثلاث سنوات على دخول العبَّارة إلى الخدمة باسمها الجديد حتى وقعت الكارثة، رغم أنها خدمت لأكثر من 25 عامًا حول العالم قبل وصولها إلى مصر.
تكرار مرعب لحادثة السلام 98
بدا السيناريو وكأنه تكرار مرعب لحادثة السلام 98، كمشهد تراجيدي يتكرر، ولكن هذه المرة باسم جديد وتفاصيل متغيرة. إذ كانت العبَّارة من نوع “رورو”، تنقل الركاب والمركبات؛ حيث انتقلت ملكيتها بين شركات أوروبية عدة، وخدمت في موانئ مختلفة.
عندما شيدت عام 1961، كانت تحمل اسم فريد سكاماروني، نسبة إلى مناضل فرنسي من زمن الحرب العالمية الثانية، تعرض للتعذيب حتى الموت داخل زنزانته بصمت، ولم يبلغ أهله بما جرى.
انطلقت السفينة في أولى تجاربها عام 1964، وتم تسليمها لشركة فرنسية في مرسيليا عام 1965، لكنها لم تبحر كما كان مخططًا، فبعد اندلاع حريق في غرفة المحرك عام 1966، تأخر تشغيلها، ثم انطلقت لاحقًا من مرسيليا إلى أجاكسيو.
وكأن سوء الطالع لازمها من البداية، ففي أول رحلة لها اصطدمت برصيف ميناء أجاكسيو، ثم اندلع فيها حريق مجددًا عام 1970، خلال رحلة إلى باستيا.
ثم ارتطمت بقاع البحر في 1980، وأخيرًا تسببت في تعطيل مرافئ بسبب بطء تحميل الشاحنات.

الرحلة الأخيرة
في عام 1988، اشترتها شركة ساماتور شيبينج، التي كانت تتخذ من السويس مقرًا لها، وأطلقت عليها اسم سالم إكسبريس؛ حيث كانت تعمل على خط منتظم يربط ميناء جدة الإسلامي بموانئ البحر الأحمر المصرية؛ لنقل العمال والحجاج.
في رحلتها الأخيرة، كانت العبَّارة قادمة من جدة إلى سفاجا، في رحلة تستغرق 36 ساعة بطول 450 ميلًا، كان على متنها أكثر من 350 راكبًا، تأخر إبحارهم يومين بسبب عطل ميكانيكي، ولكن كثيرين لم ينتبهوا إلى أن هذا العطل كان نذير شؤم.
من كانوا على ظهر العبَّارة، لم يحملوا فقط أجسادهم المرهقة، بل حملوا هدايا لأحبتهم، حقائب ممتلئة بأمتعة العمل وأردية الإحرام، وعادوا من غربة طويلة، فابتلع البحر أحلامهم كما ابتلع متعلقاتهم، وحول الرحلة إلى مأساة غارقة.
في طريقها إلى سفاجا، انحرفت العبَّارة عن مسارها وارتطمت بشعاب مرجانية على بعد من 6 إلى 10 أميال من الشاطئ؛ ما أحدث فجوة في مقدمتها سمحت لمياه البحر بالتسرب السريع إلى داخلها.
قرار خاطئ
وجاء في السجل البحري، أن العبَّارة سالم إكسبريس، كانت تقترب من ميناء سفاجا، حين اتخذ ربانها قرارًا خطيرًا: سلك طريقًا مختصرًا غير مصرح به ليلًا، رغبة في تقليل ساعات الرحلة.
ولم يكن يعلم أن هذا القرار سيحول السفينة إلى مأساة عابرة للسنين. حيث اصطدمت بشعاب مرجانية وغرقت خلال عشرين دقيقة فقط، مخلفة وراءها مئات الضحايا وآلاف الأسئلة.
الطقس والأخطاء البشرية
لم يكن الربان حسن غريبًا عن هذه البحار، فقد قاد السفينة نفسها عام 1988، وكان معروفًا بين زملائه بجرأته على سلك الطرق المختصرة.
لكن في تلك الليلة تحديدًا، تآمر الطقس والسياسات والأخطاء البشرية على الركاب، الذين لم يكن في بالهم سوى العودة إلى منازلهم.
نشرت صحيفة الأهرام المصرية، لاحقًا أن سبب الغرق كان تغيير مسار العبَّارة عمدًا، في محاولة لتقليص زمن الرحلة. وبعد الاصطدام، أطلق القبطان نداء استغاثة، لكن السفينة كانت قد بدأت في الغرق بالفعل.
وفي دقائق معدودة، صعد الركاب إلى السطح في محاولة للنجاة، قبل أن تبتلعهم المياه مع العبَّارة.
تأخر عمليات الإنقاذ
زادت العاصفة الطين بلة، فأعاقت وصول فرق الإنقاذ، التي لم تتمكن من بدء عملياتها إلا مع فجر اليوم التالي، الأحد 15 ديسمبر.
ورغم الجهود التي شاركت فيها أربع سفن من البحرية المصرية وثلاث طائرات “سي-130” وأربع مروحيات بدعم من طائرات أمريكية وأسترالية. ظل البحر أقوى من الجميع، وازدادت صعوبة الوصول إلى الناجين مع الرياح الشديدة وارتفاع الأمواج.
على مدى ثلاثة أيام تواصلت عمليات البحث وانتشال الجثث، حتى قررت السلطات إغلاق مداخل السفينة. معلنة بذلك أنها أصبحت مقبرة لمن لم يعثر عليهم.
ولم يعد البحر يحمل فقط حطامًا حديديًا، بل أرواحًا لم تكتمل رحلتها، وذكريات لا تزال معلقة بين الموج والصمت.
تقارير متضاربة
تضاربت التقارير حول عدد الركاب والضحايا؛ إذ أعلنت الشركة المالكة أن 658 شخصًا كانوا على متن العبَّارة. وقالت إدارة الموانئ إن العدد 589.
فيما قدرت خسائر لويدز البحرية عدد الركاب بـ644، نجا منهم 180، وانتشلت 117 جثة. فيما بقيت جثث أخرى طي البحر.
وأفادت “نيويورك تايمز” أن عشرة فقط من طاقم السفينة البالغ 71 فردًا نجوا. بينما ذهبت مصادر أخرى إلى أن العدد الحقيقي للضحايا ربما بلغ 850 شخصًا.
اليوم، ترقد “سالم إكسبريس” في قاع البحر الأحمر، على عمق 32 مترًا قبالة سواحل سفاجا، لم ترفع ولم تنس. بل تحولت إلى “مقبرة بحرية” ومزار لهواة الغوص الأجانب.
ويثير هذا المشهد التأمل والدهشة، فهل كانت “تايتانيك” وحدها التي تحولت إلى رمز ثقافي وإنساني؟ “سالم إكسبريس”. وإن كانت أقل شهرة، فإنها لا تقل فداحة.

الكارثة الكبرى
بقي القول إن الكارثة الكبرى لم تأتِ فجأة، بل جاءت بعد نحو خمس سنوات من التحذيرات والتجاهل.
ووقعت فاجعة العبَّارة “السلام 98” أو “السلام بوكاتشيو”، التي ابتلعت أرواح أكثر من ألف راكب في حادث مأساوي تكرر فيه السيناريو ذاته تقريبًا. والإهمال، والتواطؤ، والسكوت الرسمي من الجهات البحرية المعنية. والتي غضت الطرف بدلًا من قرع أجراس الخطر.
تجهيز عبَّارة “عجوز”
واليوم، ونحن نسمع عن محاولات إحياء مشروع عبَّارة جديدة تربط بين موانئ المملكة وموانئ البحر الأحمر في مصر. لا يسعنا إلا أن ندق ناقوس التحذير.
فالفكرة تعود من جديد تحت مسمى سد الفراغ الذي خلفته “السلام 98″، لكنها تعود أيضًا بنفس الذهنية. حيث يتم تجهيز عبَّارة “عجوز”،
وقد دخلت هذه العبَّارة مؤخرًا أحد أحواض بناء السفن في دولة عربية لإعادة “ترميمها” وتعديلها لتصبح جاهزة للعمل. وكأن الذاكرة الجمعية قد نسيت حجم المأساة السابقة.













