رحلة «لي جوولا» ثالث أسوأ كارثة بحرية في التاريخ

كارثة بحرية

لم يكن مساء 26 سبتمبر من العام 2002 يشير إلى أن سواحل جامبيا المطلة على المحيط الأطلسي، في أقصى غرب القارة الإفريقية، ستكون على موعد مع أسوأ ثالث كارثة بحرية في التاريخ، والأكثر دموية منذ بداية الألفية الثالثة.

فبينما بدا كل شيء عاديًا، كان المحيط الأطلسي يتهيأ لابتلاع 1863 نفسًا، خلال 5 دقائق فقط، في مشهد لا يستطيع تخيله أكبر مؤلفي أفلام الرعب في العالم.

عاصفة عاتية

300 ثانية لا غير، بدأت بحلول الحادية عشرة من مساء ذلك اليوم المرعب، خاضت فيها العبّارة “لي جوولا” صراع بقاء في قلب عاصفة عاتية، قبل أن تخرج خاسرة كل شيء، حتى وجودها نفسه.

وبقي ذلك التاريخ شاهدًا على واحدة من أكثر المآسي البحرية قتامة وحزنًا على الإطلاق.

الحادث الذي لم ينج منه سوى 64 شخصًا فقط، فاق في خسائره البشرية أشهر حادث بحري في القرن العشرين، وهو غرق العبّارة الشهيرة تيتانك، الذي أودى بحياة 1563 ضحية.

إهمال بشري

وبقدر ما خلّفه هذا الحادث الرهيب من حزن على الضحايا، فإنه أشعل أيضًا حالة من الجدل والغضب داخل أوساط المتابعين في جميع أنحاء العالم.

فقد كشف الحادث إهمال بشري وفوضى صاحبت رحلة “لي جوولا” المشؤومة؛ ما أدى في النهاية إلى انقلاب العبارة في قلب مياه الأطلنطي التي لا ترحم.

الغالبية العظمى من الضحايا كانو مواطنين سنغاليين، يحمل 923 راكبًا منهم الجنسية الفرنسية، وكان بينهم عدد ضخم من الأطفال والنساء وكبار السن، بل وعائلات بأكملها.

المثير في تلك القصة الحزينة أن العبارة لم تتمكن من إرسال أول استغاثة إلا بعد مرور 16 ساعة على دخولها دوامة الغرق، وهو ما قضى على فرص النجاة.

صحيفة “لوبوان” الفرنسية، كشفت عن أن العبارة كانت تقل أكثر من ثلاثة أضعاف حمولتها القصوى، التي لا تتجاوز 536 راكبًا فقط، هذا فضلًا عما كانت تحمله من بضائع ومركبات.

هذا الوضع المأساوي من الفوضى والإهمال، دفع السنغالي إدريسا ديالو، الذي أفقده الحادث أبناءه الثلاثة، إلى رئاسة جمعية تضم عائلات أكثر من 1800 ضحية.

إذ يقول إنه لن يتوقف حتى ينال العدالة للضحايا، بعدما تأكد من حالة الفوضى والإهمال التي كانت وراء الحادث.

حوادث بحرية

رحلة نحو الموت

كانت السفينة تبحر من زيجينشور في منطقة كازامانس، إلى العاصمة السنغالية داكار، حين واجهت عاصفة عاتية لم تستطع مقاومتها نظرًا لحمولتها الهائلة.

سيناريو متكرر

والغريب أنه قبل أربعة أشهر من تلك الكارثة، انتشرت شائعات عن اختفاء السفينة ذاتها، وهو سيناريو متكرر في الحوادث البحرية، كما حدث مع اختفاء السفينة الفلبينية “دونيا باز” عام 1987، التي كانت تقل على متنها 4386 راكبًا.

الأكثر إثارة للدهشة، تصريح رئيس الجمهورية السنغالي ـ آنذاك ـ الذي قال فيه: “إن السفينة كانت مخصصة للأنهار والبحيرات فقط، ولا تصلح للعمل في أعالي البحار”.

محرك واحد فقط

وتوالت المفاجآت التي كشفتها التحقيقات؛ إذ تبين أن العبارة لا تتمتع بغاطس صالح للاستخدام، وأنها كانت تسير بمحرك واحد فقط، وأنه تعطل نتيجة العاصفة فانقلبت العبارة مقدمة ركابها وليمة سهلة للأحياء البحرية.

الأكثر تمزيقًا لنياط القلوب أن العدد الدقيق للركاب غير معروف؛ إذ إن حاملي التذاكر من الركاب لم يتجاوز عددهم 1034 مسافرًا؛ أما الباقون فلا أحد يدري كيف سمح لهم بالسفر مجانًا.

ولتكتمل أبعاد هذه الكارثة، التي أبكت الإنسانية، فإن أعدادًا هائلة من الركاب كانوا نائمين على سطح العبارة؛ أي فوق مركز طفو السفينة؛ ما ساعد على تفاقم الحادث وانتهاء السفينة في قاع المحيط خلال 5 دقائق فقط.

شهادة تصنيف مؤقتة

تقرير لجنة التحقيق كشف عن أن السفينة أجريت لها أعمال تجديد بين نوفمبر 2000، ويونيو 2001، وحصلت على شهادة تصنيف مؤقتة انتهت في 31 ديسمبر 2001 مع بعض التحفظات. ما يعني أنها خاضت رحلتها المشؤومة وهي غير مرخص لها رسميًا بالخروج من المرفأ.

إسماعيل نداو؛ الغطاس المتقاعد من البحرية السنغالية، ومسؤول الأمن على متن السفينة، وأحد القلائل الذين نجوا، كشف عن أن سترات النجاة كانت مربوطة بإحكام في جسم السفينة لمنع الركاب من الوصول إليها، مشيرًا إلى الفوضى التي سادت السفينة عند الغرق، جعلت النجاة مستحيلة بالنسبة للركاب العاديين، وهم الغالبية بالطبع.

يشار إلى أن “لي جوولا” سميت بهذا الاسم نسبة إلى شعب الجولا الذي يقطن في جنوب السنغال.

كما أنها بنيت في ألمانيا وسُلِّمت لأول مرة في عام 1990، بطول يبلغ 79 مترًا، وعرض 12 مترًا، ووزن 1400 طن، وكانت مزودة بمحركين.