شهدت مصر، أمس، اكتشاف سفينة قديمة ترفيهية رومانية قبالة سواحل الإسكندرية وهو ما يُعيد رسم ملامح تاريخ المدينة، ويطلق تحذيرات حول مستقبلها البيئي.
وقال الدكتور حسين عبد البصير، عالم المصريات ومدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، إن الاكتشاف الأخير لسفينة ترفيهية قديمة تعود إلى نحو 2000 عام قبالة سواحل الإسكندرية يمثل لحظة فارقة.
وأضاف “عبد البصير”، في تصريحات خاصة لـ”عالم الموانئ” أن فهمنا لطبيعة مصر الرومانية وللثقافة البحرية الاستثنائية لهذه المدينة التاريخية شيء في غاية الأهمية.
وتابع أن الإسكندرية، منذ تأسيسها، احتلت مكانة فريدة باعتبارها نقطة التقاء اندمجت فيها التقاليد المصرية مع الحياة الفكرية الهلنستية والسلطة الإدارية الرومانية، لتنتج حضارة ذات طابع عالمي متألق.
تفاصيل السفينة القديمة
أكد أن السفينة المكتشفة حديثًا – التي يتجاوز طولها 35 مترًا وتتميز بهيكل أنيق وديكور داخلي فاخر ونقوش يونانية محفورة على ألواحها الخشبية – تعكس مدى الرفاهية والرقي التي تمتعت بهما الحياة في الإسكندرية خلال العصر الروماني المبكر.
واعتبر أن هذه الاكتشافات تعد نافذة لإعادة تصور العالم الذي ازدهر يومًا على شواطئ الميناء الشرقي القديم.
وأشار “عبد البصير” أن السمات المعمارية للسفينة تشير بوضوح إلى أنها تنتمي إلى فئة القوارب الاحتفالية أو الترفيهية التي كانت تستخدم في المواكب والتجمعات الاجتماعية فوق مياه الميناء الهادئة.
وتابع أن تقنيات بنائها تتسق مع ما وثقه المؤرخون القدامى مثل سترابو، الذي وصف الإسكندرية بأنها مدينة يتداخل فيها البحر مع الحي الملكي والمعابد الضخمة. لتكون مشهدًا حضاريًا نابضًا يجمع بين البهاء والابتكار، بحسب تصريحاته.
اكتشاف ينضم لسلسلة من الكشوف البحرية المبهرة
وأكد عالم المصريات أن هذا الاكتشاف ليس حدثًا منفردًا، بل يأتي ضمن سلسلة ممتدة من الاكتشافات الأثرية تحت الماء بدأت منذ تحديد موقع جزيرة أنتيرودوس الغارقة.
ونوه إلى أنه خلال العقود الماضية تم العثور على مبانٍ وقصور وتماثيل وقطع احتفالية وعملات ومجوهرات وكتل معمارية ضخمة ترتبط بمعابد مكرّسة لآلهة مثل إيزيس وسيرابيس.
وذكر أن هذه الأدلة تكشف أن الواجهة البحرية القديمة للإسكندرية لم تكن مجرد ميناء، بل كانت فضاءً سياسيًا واحتفاليًا وثقافيًا يضج بالحياة.
وتضيف السفينة المكتشفة حديثًا بعدًا جديدًا لفهم الحياة اليومية في الإسكندرية الرومانية. إذ تبرز طبيعة الترفيه والطقوس والتنقل في مدينة ارتبطت هويتها بالبحر ارتباطًا وثيقًا.
كما تقدم فرصة فريدة لدراسة تكنولوجيا بناء السفن القديمة وحياة النخبة خلال فترة كانت فيها الإسكندرية مركزًا فكريًا واقتصاديًا مؤثرًا في المنطقة، وفقًا لكلامه.
تفاصيل الإعلان الرسمي للاكتشاف
وكان علماء الآثار البحرية أعلنوا، أمس الاثنين، العثور على حطام سفينة ترفيهية مصرية قديمة عمرها 2000 عام تحت المياه قبالة الإسكندرية.
وتم اكتشاف الهيكل الذي يزيد طوله عن 35 مترًا وعرضه نحو 7 أمتار داخل مياه ميناء جزيرة أنتيرودوس، وفق بيان المعهد الأوروبي للآثار البحرية.
العثور على كتابات يونانية
عثر الغواصون على كتابات يونانية “يُرجح أنها تعود إلى النصف الأول من القرن الأول للميلاد”، ما يعزز فرضية أن السفينة بنيت في الإسكندرية نفسها.
كما تشير النتائج الأولية إلى أنها كانت مزودة بمقصورة مزينة بشكل فاخر، وتُشغل بالمجاذيف فقط. مما يدعم تصنيفها كسفينة مخصصة للنخبة والطقوس البحرية الخاصة.
ويعد هذا الموقع الغارق جزءًا من جزيرة أنتيرودوس التي ابتلعها البحر بعد سلسلة من الزلازل وأمواج المد، وقد أعيد اكتشافها عام 1996.
وطوال السنوات الماضية استخرج الغواصون تماثيل وعملات وكنوزًا معروضة اليوم في المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية.
كما نشر رئيس المعهد، فرانك جوديو، مؤخرًا تقريرًا موسعًا حول الجزيرة ومعبد إيزيس اعتمادًا على عقود من الاستكشافات البحرية.
وأكد المعهد أن الأبحاث المستقبلية حول السفينة “تبشر برحلة شائقة في حياة مصر الرومانية القديمة وديانتها وثرواتها ومجاريها المائية”.
بين مجد الماضي وتهديدات الحاضر
ورغم أن البحر كان دائمًا مصدر ازدهار الإسكندرية القديمة وحاملًا لكنوزها الغارقة، إلا أن المفارقة المؤلمة تكمن في أنه يشكل اليوم الخطر الأكبر على مستقبل المدينة.
وتعد الإسكندرية من أكثر المدن المعرضة لتداعيات تغير المناخ وارتفاع منسوب البحر في البحر المتوسط، حيث تغمر بالمياه بأكثر من ثلاثة مليمترات سنويًا.
وتشير توقعات الأمم المتحدة إلى أنه حتى في أفضل السيناريوهات قد يصبح ثلث المدينة مغمورًا أو غير صالح للسكن بحلول عام 2050.













