أكدت بيانات حديثة صادرة عن شركة “ألفالينر” للتحليلات البحرية أن المشهد العالمي لبناء سفن الحاويات يشهد تحولًا دراماتيكيًا. حيث تسيطر أحواض بناء السفن الصينية بشكل شبه مطلق على سجل الطلبات العالمية لسفن الحاويات الجديدة. وتظهر الإحصائيات أن ثلاث دول آسيوية. وهي الصين وكوريا الجنوبية واليابان، تهيمن بالكامل على قطاع بناء هذه السفن الحيوية للتجارة العالمية. بحصة مجمعة تقترب من 98.5% من إجمالي الطلبات المتعاقد عليها.
الصين تحكم قبضتها على صناعة بناء سفن الحاويات العالمية
لقد تجاوز سجل طلبات بناء سفن الحاويات الجديدة حاجز الـ 10 ملايين وحدة مكافئة لعشرين قدمًا (TEU). وهو رقم ضخم يعكس النمو المتوقع في حركة التجارة العالمية بعد التعافي من التحديات الاقتصادية الأخيرة. وفي هذا السجل الهائل. تأتي الصين في الصدارة بحصة هي الأكبر والأكثر وضوحًا. نقلًا عن “seatrade-maritime“.
توضح الأرقام أن شركات بناء السفن الصينية مسؤولة عن بناء 7.36 مليون وحدة مكافئة لعشرين قدمًا من إجمالي هذه السعة. وهو ما يمثل حصة ضخمة تبلغ 73.7% من مجمل طلبات البناء العالمية. هذا التفوق الساحق يضع الصين في موقع القوة المهيمنة على تشكيل مستقبل أسطول الشحن البحري العالمي.
أحواض بناء السفن الكورية الجنوبية
وفي المرتبة الثانية عالميًا، تأتي أحواض بناء السفن الكورية الجنوبية بحصة بلغت 20.4% من إجمالي الطلبات. وتليها أحواض بناء السفن اليابانية بفارق كبير. حيث تتعاقد على بناء 430,000 وحدة مكافئة لعشرين قدمًا، أي ما يعادل 4.3% فقط من إجمالي طلبات البناء. وفقًا لما أفادت به “ألفالينر” في نشرتها الإخبارية الأسبوعية.
تعد هذه الأرقام تأكيدًا على أن صناعة بناء سفن الحاويات أصبحت محصورة فعليًا في منطقة شرق آسيا. وباستثناء أحواض بناء السفن في الصين وكوريا واليابان، لا يوجد سوى 29 سفينة حاويات فقط قيد الطلب في دول أخرى حول العالم. ما يشير إلى إقصاء فعلي للدول الأخرى من هذا السوق الحيوي.

تباين صارخ بين الأسطول الحالي وسجل الطلبات الجديدة
يتجلى النمو القوي والمُتسارع لشركات بناء السفن الصينية في قطاع سفن الحاويات من خلال المقارنة بين تكوين سجل الطلبات الحالي وتكوين الأسطول الفعلي الموجود في الخدمة حاليًا. هذه المقارنة تكشف عن مدى سرعة التحول في مراكز القوة الصناعية البحرية.
من أسطول سفن الحاويات الحالي الموجود في الخدمة، نجد أن التوزيع يختلف بشكل جوهري. فقد بنيت 50.1% من هذه السفن. أي ما يعادل 16.4 مليون حاوية نمطية مكافئة لعشرين قدمًا، في كوريا الجنوبية. بينما بنيت 29.4% فقط، أي 9.6 مليون حاوية نمطية مكافئة لعشرين قدمًا، من الأسطول الحالي في الصين. وفي اليابان، بنيت 9.9% من الأسطول الحالي، أي 3.2 مليون حاوية نمطية مكافئة لعشرين قدمًا. أما نسبة 10.7% المتبقية. والتي تمثل 3.5 مليون حاوية نمطية مكافئة لعشرين قدمًا، فقد بنيت في دول أخرى.
تكشف هذه الأرقام عن أن كوريا الجنوبية كانت ولا تزال هي القوة المهيمنة تاريخيًا على بناء الأسطول الحالي من سفن الحاويات. لكن التغير السريع يظهر أن الصين تتجه لتغيير هذه الموازين بشكل جذري. حيث قفزت حصتها في سجل الطلبات الجديدة من 29.4% في الأسطول الحالي إلى 73.7% في الطلبات الجديدة. وهو ما يعد تحولًا غير مسبوق في الصناعة.
الرد الأمريكي ومحاولات كسر الهيمنة الصينية
لم يمر النمو الصيني الصارخ في قطاع بناء السفن دون ردود فعل دولية. خاصة من الولايات المتحدة الأمريكية التي استهدفت الهيمنة الصينية في هذا القطاع الحيوي.
سعت الولايات المتحدة إلى كسر الهيمنة الصينية العالمية على بناء السفن من خلال تفعيل المادة 301 من مكتب الممثل التجاري الأمريكي في هذا القطاع. هذه الخطوة أدت إلى فرض رسوم موانئ إضافية على السفن الصينية التي تصل إلى الموانئ الأمريكية اعتبارًا من 14 أكتوبر. ويعتقد أن هذه الرسوم الإضافية تهدف إلى تقليل الميزة التنافسية للسفن المصنعة في الصين وتشجيع المصالح الأمريكية على البحث عن بدائل.
يمثل هذا الإجراء تصعيدًا في الحرب التجارية بين البلدين ويمتد ليشمل قطاعًا إستراتيجيًا يلامس الأمن الاقتصادي القومي. بالنظر إلى الدور المحوري لسفن الحاويات في سلاسل الإمداد العالمية. ومع ذلك، من غير الواضح بعد مدى تأثير هذه الرسوم على سجل الطلبات الهائل الذي تُسيطر عليه الصين.
الاستثناءات خارج آسيا.. دوافع محلية وقانون جونز
تؤكد بيانات “ألفالينر” على الإقصاء الفعلي للدول الأخرى من سوق بناء سفن الحاويات خارج الدول الثلاث الكبرى في شرق آسيا. ومن بين الـ 29 سفينة حاويات فقط قيد الطلب في دول أخرى، يجري بناء 16 منها في تايوان. حيث لا تزال شركة “CSBC” قوة ثانوية في بناء السفن العالمي.
كما طلبت أربع سفن في تركيا، وثلاث في أحواض بناء السفن في الولايات المتحدة. وتشير “ألفالينر” إلى أن الطلبات خارج آسيا تكون مدفوعة في الغالب بأسباب محددة وخاصة وليست لأسباب تنافسية أو اقتصادية عامة.
وعلقت شركة “ألفالينر” على هذه الاستثناءات قائلةً: “في كثير من الحالات. هناك أسباب محددة لطلب هذه السفن من أحواض بناء خارج الدول الثلاث الكبرى: أكبر سفينتين في تركيا، بسعة 4,012 حاوية نمطية مكافئة، تبنى في حوض بناء تابع لشركة شقيقة لمالك ومشغل السفينة الذي تعاقد معهما. ومن الواضح أن الطلبات في الولايات المتحدة مدفوعة بمتطلبات قانون جونز التي تشترط حمولة أمريكية الصنع للعمليات على الخدمات المحلية. مثل الخطوط المتجهة إلى هاواي وألاسكا وبورتوريكو”.
يفرض قانون جونز الأمريكي قيودًا صارمة على الشحن بين الموانئ الأمريكية. حيث يجب أن تكون السفن المستخدمة في هذه العمليات مملوكة ومشغلة من قبل مواطنين أمريكيين، ومسجلة تحت العلم الأمريكي. والأهم من ذلك، أن تكون مبنية في الولايات المتحدة. هذه المتطلبات تخلق طلبًا محليًا محصورًا على أحواض بناء السفن الأمريكية بغض النظر عن الكفاءة أو التكلفة العالمية.













