شهد قطاع النقل البحري للحاويات هذا الأسبوع نشاطًا مكثفًا في أحواض بناء السفن. عكس بوضوح الاتجاهات الرئيسية التي تحكم مستقبل الشحن العالمي: الاستثمار الهائل في التحول الأخضر من جهة. وتخصيص الأساطيل لخدمة الممرات التجارية الإقليمية والاستراتيجية من جهة أخرى. فبينما احتفلت شركات آسيوية وأوروبية بتسلم سفن عملاقة جديدة تعمل بالوقود المزدوج. سارعت شركات خليجية إلى وضع طلبات لبناء أسطول مصمم خصيصًا للعمل في المياه الضحلة لبحر قزوين.
نشاط قطاع النقل البحري
وتشير موجة التسليمات وطلبات البناء الجديدة، التي تضمنت عقودًا قدرت قيمتها الإجمالية بأكثر من 1.5 مليار دولار أمريكي. إلى أن الصناعة تسير بخطى متسارعة نحو تنفيذ التزاماتها المناخية. خاصة فيما يتعلق بالمعايير الصارمة التي تفرضها المنظمة البحرية الدولية (IMO) والاتحاد الأوروبي. حسبما ورد على موقع شركة “bairdmaritime” الرائدة عالميًا في مجال الأخبار البحرية.
الغاز الطبيعي المسال يهيمن على طلبات البناء
كان التطور الأبرز هذا الأسبوع هو هيمنة تكنولوجيا الوقود المزدوج (Dual-Fuel). وتحديداً الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال (LNG)، على غالبية الطلبات الجديدة والتسليمات الرئيسية للناقلات الكبرى. هذا التحول ليس اختياريًا. بل هو استجابة مباشرة للضغط التنظيمي ومتطلبات كفاءة الطاقة.
1. ميرسك تطلق ثالث سفنها ذات الوقود المزدوج
أقامت شركة إيه. بي. مولر – ميرسك (A.P. Moller – Maersk)، وهي من رواد التحول الأخضر في القطاع، مؤخرًا حفل تسمية لأحدث سفنها العاملة بالوقود المزدوج. والتي بنيت في شركة إتش دي هيونداي للصناعات الثقيلة (HHI) الكورية الجنوبية. وتعد سفينة “بانكوك ميرسك” السفينة الثالثة في سلسلة جديدة من 6 سفن حاويات بنتها هيونداي لصالح ميرسك. وقد بدأت السفينتان الأولى والثانية في السلسلة، “برلين ميرسك” و”بكين ميرسك”، العمل بالفعل ضمن خدمة ميرسك التي تربط شرق آسيا بشمال أوروبا.
ويعزز انضمام هذه السفن، التي تعمل بالوقود المزدوج. من قدرة ميرسك على خفض انبعاثات الكربون في أحد أكثر الممرات التجارية ازدحامًا وحساسية بيئيًا. ورغم أن ميرسك تستثمر أيضاً في سفن الميثانول الأخضر. فإن إضافة سفن الغاز الطبيعي المسال يدل على استراتيجية متوازنة للاعتماد على حلول وقود متعددة في المرحلة الانتقالية.
2. يانغ مينغ تستثمر 1.5 مليار دولار في أسطول الـ LNG
في خطوة تؤكد التوجه العام للقطاع الآسيوي، اختارت شركة يانج مينج للنقل البحري التايوانية شركة هانوا أوشن الكورية الجنوبية لبناء 7 سفن حاويات جديدة تعمل بالوقود المزدوج في سلسلة من العقود الضخمة. وتقدر القيمة الإجمالية للعقد بين 1.364 مليار و1.531 مليار دولار أمريكي، ما يجعله أحد أكبر استثمارات الشركة في تحديث الأسطول. ومن المقرر تسليم السفن بين عامي 2028 و2029. ويعكس هذا الاستثمار التزام يانج مينج ليس فقط بتعزيز سعتها التشغيلية، بل بضمان امتثال أسطولها للمعايير البيئية الصارمة التي تطبق في نهاية العقد الحالي وبداية العقد القادم.
3. PIL ترسخ الوجود الأخضر في إفريقيا
كما أعلنت شركة الشحن السنغافورية “باسيفيك إنترناشونال لاينز” (PIL) عن أحدث سفينة حاويات تعمل بـ الوقود المزدوج في إفريقيا. حيث أطلقت الشركة رسمياً اسم “كوتا أوديسي” على سفينتها الجديدة في حفل أقيم بميناء تيما في غانا يوم الثلاثاء 16 سبتمبر. وتعد هذه الخطوة إشارة واضحة إلى أن تقنية الوقود المزدوج لم تعد مقتصرة على المسارات العالمية الكبرى، بل يتم دمجها الآن في سلاسل الإمداد الإقليمية التي تربط آسيا وإفريقيا، ما يسهم في رفع معايير الاستدامة في الأسواق الناشئة أيضًا.

سباق العمالقة واستراتيجية النطاق العالمي
رغم التركيز على الوقود البديل، لا يزال الطلب مستمرًا على سفن الحاويات العملاقة التي تدار وفقًا لمبدأ اقتصاديات الحجم (Economies of Scale)، خاصة في الممرات التجارية الرئيسية بين الشرق والغرب.
تسليم سفينة 13,900 TEU لأسطول ONE
سلمت مجموعة إيماباري اليابانية لبناء السفن سفينة الحاويات الجديدة “وان سترينث” (ONE Strength) بسعة 13,900 حاوية نمطية مكافئة لعشرين قدمًا في 19 سبتمبر. وقد بنيت السفينة في حوض ماروجامي التابع للشركة، وتشير دلالات اسمها إلى انضمامها لأسطول تحالف Ocean Network Express (ONE) الذي يضم شركات يابانية كبرى.
تعد هذه السفينة مثالاً كلاسيكياً للجيل الحالي من الناقلات الكبيرة:
- الطول: يبلغ طولها 335.9 مترًا.
- العرض: عرضها 51 مترًا.
- السرعة: سرعة إبحارها حوالي 22 عقدة.
- التصنيف: هي مصنفة من قِبل لويدز ريجستر ومجهزة بمحرك رئيسي قوي من طراز MAN 7G95ME-C10.6.
ويظهر تسليم سفينة بهذا الحجم أن شركات النقل البحري تواصل استراتيجية طلب السفن العملاقة لتحقيق أقصى قدر من الكفاءة التشغيلية وخفض تكلفة نقل الحاوية الواحدة، حتى مع التحديات المستمرة المتعلقة بالازدحام في الموانئ والتحول نحو سفن الوقود الأخضر الأصغر حجماً نسبياً في بعض الطلبات الجديدة.
موانئ أبوظبي وشريان قزوين: الاستثمار في الممرات المائية الإقليمية
شكلت طلبات البناء المقدمة من مجموعة موانئ أبوظبي (AD Ports Group) دليلاً على الأهمية المتزايدة للاستثمارات في الممرات التجارية الإقليمية المتخصصة، لا سيما تلك التي تربط الشرق بالغرب بعيداً عن الطرق التقليدية.
منحت المجموعة عقداً لشركة باكو لبناء السفن في أذربيجان لبناء سفينتي حاويات بسعة 780 حاوية نمطية لكل منهما، وتتميزان بـغاطس ضحل.
ويعد هذا الإجراء استراتيجياً للغاية، حيث سيتم تصميم السفينتين خصيصاً للاستخدام في بحر قزوين. وتعزز هذه الخطوة من التزام مجموعة موانئ أبوظبي بتلبية الطلب المتزايد على سعة الشحن بالحاويات في المنطقة وتطوير الممر الأوسط (Middle Corridor)، الذي يربط آسيا الوسطى والقوقاز بأوروبا عبر بحر قزوين. إن الاستثمار في سفن ذات غاطس ضحل يعني استهداف الموانئ الصغيرة وغير العميقة والعمل بكفاءة في بيئة بحر قزوين الفريدة، ما يضمن تدفق البضائع على طول هذا الشريان التجاري الحيوي الذي يكتسب أهمية متزايدة في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية.
نظرة مستقبلية: ازدواجية الأسطول
تعكس أخبار هذا الأسبوع الاتجاه العام في صناعة الشحن: فالأساطيل المستقبلية ستكون مقسمة بين:
- ناقلات عملاقة خضراء: تعمل بوقود بديل لتلبية متطلبات الاستدامة واقتصاديات الحجم على المسارات الرئيسية.
- سفن إقليمية متخصصة: ذات تصميمات فريدة (مثل الغاطس الضحل) لتخدم الممرات التجارية الإقليمية سريعة النمو والاستراتيجية.
ومع تسليم سبع سفن جديدة تعمل بـ LNG لشركة يانج مينج بين عامي 2028 و2029، فإن الصناعة تؤكد أن العقود القادمة ستكون مكرسة بالكامل للتحول الطاقي، بدعم من استثمارات بمليارات الدولارات تهدف إلى استبدال الأسطول القديم والتكيف مع خريطة تجارية عالمية متغيرة.












