الغاز الطبيعي المسال.. من تجارة تقليدية إلى شبكة جيوسياسية معقدة

الغاز الطبيعي المسال

تحولت تجارة الغاز الطبيعي المسال من كونها نشاطًا واضح المعالم يعتمد على نقل الشحنات من نقطة إلى أخرى إلى شبكة معقدة.

وتتداخل في هذه الشبكة الحسابات الجيوسياسية، ومتطلبات الامتثال البيئي، والتخطيط الإستراتيجي للأساطيل، وهو ما سيحدد مستقبل أمن الطاقة خلال العقد القادم.

اضطراب يعيد رسم المشهد

تكشف الأرقام الواردة في أحدث تحليل لـ “وود ماكنزي” عن واقع صادم؛ فبحلول نهاية يوليو 2025 توقفت نحو 60 ناقلة غاز طبيعي مسال عن العمل.

بينما هبطت أسعار الإيجار إلى مستويات بدت مستحيلة مقارنة بما كانت عليه قبل عامين.

ويصدر تحليل “وود ماكنزي” عن شركة Wood Mackenzie، وهي مؤسسة عالمية متخصصة في أبحاث الطاقة وسلاسل الإمداد.

وقال التقرير إن السفن ثنائية الأشواط في حوض الأطلسي لم تحقق سوى متوسط 30 ألف دولار يوميًا.

في حين لم تتجاوز عوائد السفن ذات التوربينات البخارية 10 آلاف دولار يوميًا، بالكاد لتغطية تكاليف التشغيل.

ويعود هذا الوضع إلى ثلاثة عوامل رئيسية:

أولها تسليم أعداد كبيرة من السفن الجديدة قبل الحاجة الفعلية إليها، ليرتفع الأسطول التشغيلي إلى أكثر من 700 ناقلة.

ثانيها تراجع الطلب العالمي على الشحن بعد أن غطى الإنتاج داخل حوض الأطلسي معظم احتياجات أوروبا من الغاز.

ثالثها اختفاء الحاجة لاستخدام الناقلات كوسائل تخزين عائم مع استقرار فروق الأسعار الموسمية واعتماد أوروبا سياسات جديدة لإدارة المخزون.

التوترات الجيوسياسية

ورغم تراجع الأسعار، لا تزال التجارة عرضة لاضطرابات متزايدة بفعل التوترات الجيوسياسية، وفق ما ورد في التقرير.

دفعت الهجمات الحوثية في البحر الأحمر والتوترات حول مضيق هرمز المشغلين إلى الابتعاد عن الطرق التقليدية عبر قناة السويس.

فيما بقيت حركة الناقلات عبر قناة بنما محدودة جدًا بسبب إعطاء الأولوية لفئات أخرى من السفن، بحسب تقرير “وود ماكنزي”.

وأكد أن الرحلات عبر رأس الرجاء الصالح أصبحت الخيار الأكثر شيوعًا رغم أنها تضيف أسابيع إضافية إلى زمن الرحلات وملايين الدولارات إلى التكاليف.

وتابع أنه على الرغم من أن هذا المسار أطول وأكثر تكلفة، فإنه يُنظر إليه باعتباره أكثر موثوقية وأمانًا.

آسيا تقود الطلب المتصاعد

أشار التقرير إلى أنه وراء تقلبات السوق الحالية يكمن محرك لا يمكن إيقافه، وهو الزيادة المتواصلة في طلب آسيا على الغاز الطبيعي المسال.

وقال إن المنطقة تستحوذ بالفعل على نحو 65 % من الواردات العالمية، ومن المتوقع أن تتجاوز 70٪ بحلول 2040 مع توسع الاقتصادات الآسيوية.

وأضاف أن الإنتاج المحلي للغاز في آسيا يتجه إلى الانخفاض على المدى الطويل، فإن سد الفجوة سيكون ممكنًا فقط عبر الاستيراد.

وأوضح أن الرحلات الطويلة من خليج الولايات المتحدة إلى الأسواق الآسيوية تمنح السفن فترات تشغيل ممتدة.

ونوه التقرير إلى أن طول الرحلة يخلق طلبًا متزايدًا على الطاقة الاستيعابية للشحن.

ومع اتساع دور التجار والمجمّعين في تداول الغاز، تتحرك السفن بصورة أكثر مرونة لتلبية متطلبات المشترين بدلاً من الالتزام بعقود ثابتة.

ويعكس هذا التحول نشوء سوق أكثر ديناميكية وعالمية، يستلزم إضافة قدرات ضخمة على المدى البعيد.

ووفقًا لتحليلات “وود ماكنزي”، فإن التجارة العابرة للأحواض ستتطلب أكثر من 400 ناقلة جديدة بحلول 2035.

ثورة في الأسطول البحري

اعتبر التقرير أن القطاع يمر بمرحلة تصحيح طبيعية ستعيد تشكيل تنافسيته.

كما توقع خروج نحو 180 ناقلة بخارية من الخدمة خلال العقد المقبل، أي ما يقارب ثلث الأسطول الحالي.

ونوه إلى أن معظم هذه السفن تجاوز عمرها 20 عامًا وأصبحت غير مجدية اقتصاديًا بسبب ضعف الكفاءة وارتفاع الانبعاثات.

وتأتي هذه الإحالات في توقيت مناسب لتقليل مخاطر الفائض مع استمرار تسليم سفن جديدة خلال السنوات القليلة المقبلة.

ورأى تقرير “وود ماكنزي” ان هذا يساعد على إعادة التوازن بين العرض والطلب.

وقال إن هذه التحولات لا تخلو من كلفة مرتفعة، فأسعار الناقلات الجديدة استقرت عند 255 – 265 مليون دولار للسفينة الواحدة.

وأضاف أن هذه الأسعار سببها محدودية القدرة الإنتاجية في أحواض البناء وارتفاع تكاليف التصنيع.

وتابع أن هذه الأسعار تجعل الشركات الكبرى ذات العقود طويلة الأجل هي الأقدر على تحمل هذه الاستثمارات، الأمر الذي يعزز تركّز القطاع بيد كبار اللاعبين.

وتساهم اللوائح البيئية في تسريع هذا التحول؛ فالاتحاد الأوروبي بات يفرض تسعيرًا لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون البحرية.

كما طرحت المنظمة البحرية الدولية أول إطار عالمي لتسعير غازات الاحتباس الحراري من المصدر إلى الاستهلاك

ووفق التقديرات الشركة، سترتفع التكاليف بحلول 2035 بنسبة 90 % للسفن التي تستخدم الوقود التقليدي و60 % للسفن العاملة بالغاز الطبيعي المسال.

انعكاسات إستراتيجية بعيدة المدى

تعكس التحولات في شحن الغاز الطبيعي المسال التغيرات العميقة في أسواق الطاقة العالمية، حيث أصبح الامتثال البيئي محركًا رئيسيًا للابتكار التكنولوجي.

وبالنسبة لصناع القرار، فإن الرسالة واضحة: مرحلة وفرة الشحن الرخيص تقترب من نهايتها.

وشدد التقرير على أن النجاح في المستقبل سيعتمد على التخطيط طويل المدى، والشراكات المتينة، والاستثمار في أساطيل حديثة متوافقة مع المتطلبات البيئية.

وأكد أن القطاع بدأ مرحلة إعادة ضبط كبرى، والسؤال لم يعد ما إذا كان سيتحول، بل من هم اللاعبون القادرون على الخروج أقوى من هذه الموجة.