يواجه قطاع الشحن النيجيري أزمة غير مسبوقة، حيث تكبدت شركات الشحن ووكلاؤها خسائر فادحة تقدر بأكثر من 200 مليار نيرة نيجيرية، بسبب الغرامات المترتبة على التأخيرات الهائلة في تخليص البضائع من الموانئ. هذه الأزمة اندلعت على إثر الانتقال المتعثر إلى منصة تداول تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجمركية الجديدة، “بودوجو” (B’Odogwu)، التي كان من المفترض أن تحدث ثورة في عمليات التجارة البحرية، لكنها تحولت إلى كابوس يهدد بانهيار سلاسل الإمداد.
خسائر شركات الشحن
كشف عدد من وكلاء الشحن، في تصريحات حصرية لصحيفة صنداي تلجراف، عن حجم الكارثة التي سببتها الأعطال التقنية في النظام الجديد. وفقًا لمصادر مطلعة، أدى الاضطراب في عمليات التخليص إلى احتجاز أكثر من 5000 حاوية داخل موانئ لاجوس. ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في التكاليف التشغيلية. وتكمن خطورة هذا الوضع في تعطل وصول المواد الخام إلى المصانع. ما يهدد بوقف خطوط الإنتاج ويعرض شركات التصنيع في البلاد لخطر حقيقي. نقلًا عن موقع “newtelegraphng“.
تحديات الانتقال الرقمي
يشكل نظام “بودوجو” جزءًا من مشروع طموح للتحديث الرقمي في نيجيريا، يهدف إلى تحسين الشفافية وتسريع الإجراءات الجمركية. وأكد المراقب العام للجمارك النيجيرية، بشير أدوالي أدينيي، في تصريحاته أن هذا المشروع يمثل توجهًا سياسيًا ثابتًا لا رجعة فيه. “لا مجال للتراجع عن نظام ‘بودوجو’. علينا المضي قدمًا فيما بدأناه. نعلم أنه ستكون هناك مشاكل، ولهذا السبب، اجتمعنا سابقًا مع بعض البنوك المعتمدة، وقد أسفر هذا التواصل عن نتائج إيجابية”، هكذا صرح أدينيي، مؤكدًا التزام الجمارك بالنظام الجديد رغم المعوقات.
ومع ذلك، فإن الواقع في الموانئ يروي قصة مختلفة تمامًا. تحدث أحد كبار وكلاء الشحن، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، عن الوضع المأساوي الذي يعيشونه. “المشاكل لا تزال قائمة”، قال الوكيل، موضحًا أنهم لم يتمكنوا من تخليص بضائعهم من الموانئ لأكثر من أسبوع بسبب الأعطال الفنية. وأشار إلى أنه يمتلك 100 حاوية متأثرة بالمشكلة، وقد تم سداد الرسوم الجمركية عليها، ورغم ذلك، تراكمت عليها غرامات تأخير ورسوم إيجار إضافية بسبب تعطل النظام.
شركات الشحن تحت وطأة الغرامات
تعد الغرامات المالية المتراكمة هي أكبر ما يؤرق وكلاء الشحن والمستوردين. وخلال فترة انقطاع الخدمة، وصلت رسوم التأخير اليومية لحاوية 40 قدمًا إلى ما بين 120 و140 ألف نيرة نيجيرية، في حين أن رسوم الحاوية 20 قدمًا بلغت نحو 80 ألف نيرة نيجيرية. ولا يقتصر الأمر على الحاويات، بل يشمل أيضًا المركبات والشاحنات والجرافات، حيث تبلغ رسوم التأخير للسيارات 10 آلاف نيرة، وللشاحنات 35 ألف نيرة، وللجرافات 45 ألف نيرة.
تكشف هذه الأرقام الفلكية حجم الخسائر التي يتكبدها القطاع يوميًا. ويشير الوكيل الذي تحدث إلى صحيفة صنداي تلجراف إلى أن التحول الكامل إلى النظام الرقمي، مع التخلي عن العمليات اليدوية، لم يترك أي مجال للحلول البديلة. وأوضح أن الوضع قد تحسن في بعض المناطق مثل أبابا وتين كان وPTML، إلا أن الضرر قد وقع بالفعل، والخسائر تراكمت بشكل لا يمكن تعويضه.

الجمارك تعزو الأعطال لمحاولات قرصنة وتؤكد حل المشكلة
من جانبها، عزت هيئة الجمارك النيجيرية جزءًا من المشكلة إلى محاولات قراصنة إلكترونيين لاختراق النظام الرقمي. وفي بيان رسمي، أكدت الهيئة أن هذه الأعمال “تشكل تخريبًا اقتصاديًا”، وأنها لن تتهاون في التعامل معها. كما أكد عبد الله مايوادا، مسؤول العلاقات العامة الوطنية في هيئة الجمارك، في بيان له، أن العطل الأخير نتج عن “تحديات التكامل التقني” التي ظهرت أثناء دمج بيانات منظمة المعايير النيجيرية (SON) على منصة “بودوجو” في 23 يوليو 2025.
وأوضح مايوادا أن المشكلات الفنية أثرت بشكل مؤقت على قدرة التجار على تسجيل بياناتهم بدقة من النموذج M وبرنامج تقييم المطابقة (PAAR)، وهما من المتطلبات الأساسية للتخليص الجمركي. وأقرت الهيئة بأنها استطاعت حل المشاكل داخل نظامها بسرعة، إلا أن الأمر تطلب “مزيدًا من التنسيق” من جانب منظمة المعايير النيجيرية لإكمال الحل. وفي الوقت الحالي، تؤكد هيئة الجمارك أن المشكلات المتعلقة بإرسال شهادات المنتجات قد تم حلها بنجاح بالتعاون بين الوكالتين.
دعوات لضبط الإيقاع وتخفيف العبء على المستوردين
يأتي إطلاق النظام الجديد في وقت حرج، حيث أعادت الجمارك النيجيرية فرض رسوم بنسبة 4% على رسوم التسليم على ظهر السفينة (FoB)، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد بشكل ملحوظ. ويخشى بعض المستوردين من أن التطبيق المتزامن لهذه السياسات قد يؤدي إلى “إرهاق الإصلاحات” وإرباك القطاع.
في هذا السياق، دعا فرانك أوغونوجيميت، رئيس الجمعية الأفريقية لوكلاء الشحن المحترفين والخدمات اللوجستية (APFFLON)، إلى التحلي بالصبر. وأشار إلى أن النظام الجديد سيساهم على المدى الطويل في تحسين توليد الإيرادات، وضمان سيادة البيانات، وتعزيز الشفافية في العمليات. ومع ذلك، شدد أوجونوجيميت على ضرورة اتخاذ إجراءات وقائية عاجلة لحماية التجار من التكاليف الإضافية خلال فترة التعديل.
ودعت الجمعية مجلس الشاحنين النيجيري إلى تكثيف دوره كجهة تنظيمية للموانئ، لضمان عدم فرض غرامات تأخير ورسوم تخزين بشكل غير عادل على المستوردين، خاصةً وأن التأخيرات الحالية خارجة عن سيطرتهم. وتظل الأنظار معلقة على مدى قدرة الأطراف المعنية على إيجاد حلول سريعة وفعالة لتجاوز هذه الأزمة، وإعادة عجلة التجارة إلى مسارها الطبيعي دون تكبيد الشركات المزيد من الخسائر التي قد تهدد استقرار الاقتصاد النيجيري.














